اسلام سيفلايزيشن -السيد فالح آل الحجية الكيلاني
هل تريد التفاعل مع هذه المساهمة؟ كل ما عليك هو إنشاء حساب جديد ببضع خطوات أو تسجيل الدخول للمتابعة.
اسلام سيفلايزيشن -السيد فالح آل الحجية الكيلاني

الحضارة الاسلامية باشراف المهندس خالدصبحي الكيلاني والباحث جمال الدين فالح الكيلاني


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الغزل في بلاد الاندلس وشعراؤه منهم ابن زيدون - بقلم فالح الحجية

اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

فالح الحجية

فالح الحجية
Admin






شعر الغزل في بلاد الاندلس


الاندلس بيئة جديدة للادب العربي وللشعر العربي عامة والغزل خاصة مادمنا نتكلم عنه في بحثنا هذا فقد أزدهر الغزل في العصر الأندلسي أزدهاراً قل نظيره في البلاد العربية الاخرى وقد ساعد على أذكاء جدوته امور كثيرة منها الجمال و الطبيعة الجميلة الخلابة والتقدم العمراني والتحضر الاجتماعي مما اوجد كثرة مجالس اللهو والشراب و مجالس الطرب الغناء اضافة الى وجود السبي الدائم مما واجد اسوقا للنخاسة والرقيق والتجارة فيها الامر الذي أرخص أقتناء الجواري الغلمان ..
وأتبع الأندلسيون في شعرهم عامة وفي غزلهم خاصة مناهج المشرقيين فعرفوا الغزل التقليدي والغزل الأباحي والغزل العفيف واخذ كل شاعر نصيبه منها حسب اهواء نفسه وتربيته الخلقية في البييت والشارع الا ان امورا جديدة طرأت في الادب الاندلسي منها :
ظهور الموشحات وقد طرق معظمها موضوع الحب و شيوع الغزل بالمذكر بشكل فاق نظيره في المشرق دون حياء في وصف أو خجل في تصوير الشذوذ الجنسي أو ذكر عورات الجسد مع أنحدار بالالفاظ والمعاني الى درك مزرى لم يعهده الشعرالعربي من ذي قبل .ثم أقبال المرآة الاندلسية على قول شعر الغزل وتغزلها بالرجل مع بعض أختلاف بين غزلها وغزل الرجل .و كثرة الشاعرات الأندلسيات في هذا المجال . وهذه الحالة تعكسها طبيعة المجتمع هناك
و مما لا شك فيه أن ميل الأندلسيين إلى التحرر وانتهاز فرص العيش الرغيد وحرصهم على تحقيق الإنسجام مع ما وهبه الله تعالى للأندلس من خيرات وجمال في الطبيعة وحتى في المخلوقات، كانت جميعها عوامل او اسباب دافعة إلى شيوع شعرالغزل و في شعر المرأة الأندلسية. وقد كانت هذه الظواهر اكثر بروزاً في شعر الطبقات الثرية والمترفة منها في شعر الطبقات الفقيرة. لذا نلحظ وجود - إلى جانب شاعرات الغزل والمجون والهجاء - شاعرات اندلسيات أخريات التزمن الورع والتقوى والعفاف والرصانة في سلوكهن الشخصي وفي شعرهن .وكان كل شيء في بيئة الاندلس الجميلة يغري بالحب ويدعو الى الغزل ومن ثم لم يكن امام هذه القلوب الشاعرة غير الانقياد لعواطغها فأحبت وتغزلت فانتجت –ربما - دون قصد وراءها فيضا من شعر الغزل الرائع الجميل .
وكان المتوقع ان ينفعل الشاعر الاندلسي بمؤثرات الحياة الجديدة الطبيعية والاجتماعية فيبدل من نظرته الى المراة ومن مفهمومه لقيم الجمال وظل الغزل الاندلسي غزلا حسيا بعيدا عن تصوير خلجات النفوس وما يضطرب فيها من شتى المشاعرعلى ان أوضح سمات هذا الغزل تتجلى في عذوبته ورقته في وصف محاسن من يقع الشعراء في حبهن من نساء الاندلس الجميلات وفي تصوير مشاعرهم المتضاربة اتجاهن من وصل وهجر وقرب وبعد واقبال وصدود وغيرها من حالات الوجد والوله والشوق التي يدور حولها موضوع الغزل. وقد نلاحظ في في الغزل الاندلسي وقوفه عند حدود الوصف المادي لما يتعشقه الشاعر من اعضاء جسم حبيبته كما فعل الشاعرالعربي في الجاهلية والعصر الاموي فقامة الحبيب قضيب بان ووجهه قمر في ليلة التمام وشعره ليل مدلهم أو ذهب متموج في سناء الشمس ومحاجر نرجسية وخدود ه تفاح احمر ورضابه كانه خمر معتق او عسل مصفى ووالشامة او الخال على خده تزيد ه جمالا ودلالا وروعة في الحسن يقول الشاعر :

ما أرى الخال فوق خديك ليلا على فلق
انما كان كوكبا قابل الشمس فاحترق

ونذكر بعض شعراء الغزل في الاندلس:


احمد بن زيدون


هو ابو الوليد احمد بن عبد الله بن احمد بن زيدون المخزومي .
ولد بضاحية الرصافة وهي من اجمل ضواحي مدينة قرطبة سنة\ 394 هجرية وكانت قرطبة انذاك عاصمة البلاد ومنارا للعلم والادب والثقافة فدرس الشعر والادب العربي حتى برع فيه وتمرس عليه وكان والد ابن زيدون من فقهاء قرطبة وأعلامها المعدودين.
أما جد ابن زيدون من جهة امه فكان من العلماء البارزين في عصره ايضا وقد تولى القضاء بمدينة سالم ثم تولى أحكام الشرطة في قرطبة
اتصل ابن زيدون بكثير من أعلام عصره وأدبائه المشاهير فتوطدت علاقته بأ بن جَهْور الذي كان قد ولي العهد ثم صار حاكما بعد ذلكوتوثقت علاقته كذلك بأبي بكر بن ذَكْوان الذي ولي منصب الوزارة
اضافة الى ذلك فانه شارك في تأسيس حكومة جَهْوَرِيّة بزعامة ابن جهور وحظي ابن زيدون بمنصب الوزارة في دولة ابن جهور واعتمد عليه الحاكم الجديد في السفارة بينه وبين الملوك المجاورين
و في أشبيلية استطاع ابن زيدون بما حباه الله من ذكاء ونبوغ أن يأخذ مكانة بارزة في بلاط المعتضد حتى أصبح المستشار الأول له وعهد إليه المعتضد بالسفارة بينه وبين أمراء الطوائف في الأمور الجليلة والسفارات المهمة ثم جعله كبيرًا لوزرائه
وقضى ابن زيدون عشرين عامًا في بلاط المعتضد بلغ فيها أعلى مكانة وجمع بين أهم المناصب وأخطرها . تولى الحكم المعتمد بن عباد بعد وفاة أبيه المعتضد وكانت تربطه بابن زيدون أوثق صلات المودة والألفة والصداقة وكان مفتونًا به تلميذا طوال عشرين عامًا .
وكان ابن زيدون عند ظن المعتمد بن عباد فبذل جهده في خدمته وأخلص له و كان خير عون له في فتح قرطبة ثم أرسله المعتمد إلى أشبيلية على رأس جيشه لإخماد الفتنة التي ثارت بها .
وتوفى ابن زيدون بعد أن أتمّ مهمته عن عمر بلغ نحو ثمانية وستين عامًا وذلك في سنة \462هجرية

احب ابن زيدون الشاعر ة والاديبة ولادة ابنة الخليفة المستكفي التي كانت شاعرة اديبة تعقد الندوات والمجالس الادبية والشعرية في بيتها وبادلته حبا بحب وقد انشد في حبها الشعر الكثير شعرا فياضا عاطفة وحنانا وشوقا ولوعة وولها الامرالذي جعلنا نتغنى في شعره الى وقتنا هذا وسيبقى خالدا للاجيال بعدنا حبا صادقا . فراح يتقرب منها حتى نال منزلة في قلبها فبادلته الحب.
وكتبت له تقول :-

ترقب إذا جـــــن الظـــلام زيارتي
فإني رأيت الليــل أكتــم للســر

وبي منك ما لو كان للبدر ما بدا
وبالليل ما أدجى وبالنجم لم يسر.

وتواصلت لقاآتهما حتى دخل الوشاة بينهما و فرقت بينهما الأيام ففاض الوجد والحنين بعشيقته فكتبت إليه تقول:


ألا هــل لنا من بعـد هذا الــتــفرق
سبـــيل فيشكو كل صب بما لقي

وقد كنت أوقاتالتزاور في الشتا
أبـيـت على جمر من الشوق المحرق

تـمـر الـلــيالي لاأرى البين ينقضي
ولا الـصبـــر من رق التشوق معتقي

سقـا الــلـه أرضا قد غدت لك منزلا
بـكل سـكـون هاطــل الـوبـل مـعدق

لقد علمت ولادة بإن محبوبها قد تولع بغيرها فمالت عنه كل الميل فأحبت الوزير ابي عامر فندم ابن زيدون وراح يتوسل بغيرجدوى وينظم الشعر مهددا الوزير ابا عامر شاكيا إلى ولادة تباريح الهوى ، وكتب إلى الوزير رسالته المعروفة بالرسالة الهزلية سخر فيها منه على لسان حبيبته، فلم يلبث الوزير أن عمل على سجن الشاعر، فتم سجنه . فراح ابن زيدون في سجنه يكتب الشعر مسترحما ،كما كتب إلى أبي حزم رسالته المعروفه بالرسالة الجدية مستعطفا ولكن لم يجد اذنا تصغي ولا قلبا يرحم، فصمم على الهرب ، ففر من السجن في ليلة عيد الأضحى وظل متخفيا عن الانظار حتى عفا عنه ابو حزم فبعث إلى ولادة بقصيدته المشهورة بالنونية و والتي كتبها إلى حبيبته ولادة بنت المستكفى
حيث كان في اشبيلية وهى في قرطبة والتي تعتبر من روائع الشعر العربي وعيونه في الادب و التي من أجلها كتبت عنه وجمعت مااستطعت جمعه من عدة مؤلفات والتي يقول مطلعها:-

أضحى التنائي بديلا من تدانينا
وناب عن طيب لقيانا تجافينا.

الغزل عند ابن زيدون حاجة في النفس يلبي القلب نداءها ، وميل جامح يسير في ركابه ،وثورة في الفؤاد يندفع في تيارها، فهو رجل المرأة الغاوية يهواها إلى حد الجنون والوله ، ويريدها ابدا طوع هواه ، ويوجه نحوها جميع ذاته وقواه ، في ترف أندلسي ، وجماح نواسي ، وقد عانى من لوعة الحب الوانا من الألم والشوق العظيم ، وقاسى في سبيل حبها أمرّ العذاب ، فعرفها رفيقة حياة، ولقي في أس هواها الف حرارة ومرارة ، فراح يسكب نفسه حسرات ، ويعصرلباب قلبه ويرسله تأوّهات وزفرات ، وإذا قصائدة مزيج من شوق ، وذكرى , وألم ، وأمل ، وإذا غزله حافل بالاستعطاف والاسترحام، حافل بالمناجيات الحرّى ، والنداءات السكرى ، وإذا الأقوال منثورة مع كل نسيم ، مرددة مع كل صدى ، وإذا كل كلمة فيها رسالة حبّ وغرام ، وكل لفظة لوعة واطلاقة سهام.
هكذا كان غزل ابن زيدون روحا متململا ، وكيانا تتقاذفها الامواج ، و كان شعره بحر العاطفة والوجدان ، يترقرق ترقرق الماء الزلال ، في صفاء البلور ، ولين الأعشاب على ضفاف الغدران و الانهار، وفي عذوبة تتماوج على اعطافها كل معاني الموسيقى الساحرة التي هي السحر الحلال ، موسيقى تنام على أوتارها الدهور ويغفو بين حناياها الجمال والنور, وهكذا كانت الفاظه سهولة تنمو في أجواء الطبيعة الزاهية ، وتمتزج بهاامتزاج الارواح بالارواح ، وإذا كل شيء في القصيدة حي نابض، وإذا كل شيء رونق وجمال، وكل شيء حلقة نورانية بين الذكرى والآمال .
فهو شاعر الاندلس وبلبلها الغرّيد كان شاعر العبقرية التي تنفح النفس من خلال الطبيعة التى تصف سناءها وشذاها ،وتعصر القلب في كؤوس الحب التي ترتشف ، وتصعّد الزفرات والآمال أنغام سحر وروعة ،وتعتصر اللغة لتستخرج منها كل ممكناتها الشعرية والموسيقية لتشدو الحانها المشجية التي ملكت على العرب ألبابهم في عصورهم القديمة والحديثة .

اما في حياته العامة فقد ترقى ابن زيدون في الادارة الى ان تمكن من ادارة الدولة سياسيا واصبح مشرفا على الديوان فيها ا لا انه نكل به فسجن كما اسلفنا ولبث في السجن بضع سنين ثم هرب من السجن في اخرها
انتقل الى مدينة بلنسية ثم الى الزهراء ثم استقربه المقام في مدينة اشبيلية فتلقاه اميرها انذاك المعتضد بالله بلقاء حسن فاكرمه ونعمه واستوزه ولقب بذي الوزارتين واقر بقاءه في منصبه ثم اثبته المعتمد بن عباد في حكمه ايضا وبقي في اشبيلية حتى وافاه الاجل
توفي في اشبيلية سنة\ 463 هجرية

يمتاز بسلاسة النظم وعذوبة وسهولة اللفظ ورقة المعاني وحسن الصناعة الشعرية وبراعتها ويعتبر متنبي بلاد الاندلس لتماثل شعره بشعرالمتنبي وتقليده اياه وقد نظم في اغلب الاغراض الشعرية وخاصة في الغزل ومن قصائده المشهورة هذه الابيات :


إني ذكرتك بالزهراء مشتاقا
والأفق طلق ومرأى الأرض قد راقا

وللنسيم اعتلال في أصائله
كأنما رق لي فاعتل إشفاقا

والروض عن مائه الفضي مبتسم
كما حللت عن اللبات أطواقاً

نلهو بما يستميل العين من زهر
جال الندى فيه حتى مال أعناقا

يوم كأيام لذات لنا انصرمت
بتنا لها حين نام الدهر سراقاً

نلهو بما يستميل العين من زهر
جال الندى فيه حتى مال أعناقاً

كأن أعينه إذا عاينت أرقي
بكت لما بي فجال الدمع رقراقاً

ورد تألق في ضاحي منابته
فازداد منه الضحى في العين إشراقاً

سرى ينافحة نيلوفر عبق
وسنان نبه منه الصبح احداقاً

كان يهبج لنا ذكرى تشوقنا
إليك، لم يعد عنها الصدر إذ ضاقا

لو كان وفي المنى في حمغا بكم
لكان من أكرم الأيام أخلاقا

لا سكن الله قلباً عق ذكركم
فلم يطر بجناح الشوق خفاقاً

لو شاء حملي نسيم الريح حين هفا
وافاكم بفتى أضناه ما لاقى

***************

وقال ابن زيدون يخاطب ابن عبدوس لاشتراكه معه في هواها ومحاولته كسبها لصالحه وبالفعل استطاع ذلك :

أثرت هزبر الشرى إذ ربض
ونبهته إذ هدا فأغتمض
ومازلت تبسط مسترسلا إليه
يد البض لما ا تقبض
حذار حذار، فأن الكريم إذا
سيم خسفاً أبي فامتعض
وإن سكون الشجاع النهوس
ليس بمانع ه أن يعض
عمدت لشعري ولم تتئد
تعارض جوهره بالعرض
أضاقت أساليب هذا القريض
أم قد عفا رسمه فانقرض
لعمري فوقت سهم النضال
وأرسله لو أصبت الغرض
وغرك من عهد ولادة
سراب تراءى وبرق ومض
هي الما يعز على قابض
ويمنع زبدته من مخض


ومن قوله في حب ولادة بعد ان هجرته واحبت غيره لكنه بقى محبا لها ذاكرا شوقه حبه ولوعته اليها هذه الابيات من قصيدة تعد من روائع الشعر العربي وعيونه . يقول فيها :-

أَضْحَى التَّنَائِي بَدِيْلاً مِنْ تَدانِيْنا
وَنَابَ عَنْ طِيْبِ لُقْيَانَا تَجَافِيْنَا
ألا وقد حانَ صُبح البَيْنِ صَبَّحنا
حِينٌ فقام بنا للحِين ناعِينا
مَن مُبلغ المُبْلِسينا بانتزاحِهم
حُزنًا مع الدهر لا يَبلى ويُبلينا
أن الزمان الذي ما زال يُضحكنا
أنسًا بقربهم قد عاد يُبكينا
غِيظَ العِدى من تساقينا الهوى فدعوا
بأن نَغُصَّ فقال الدهر آمينا
فانحلَّ ما كان معقودًا بأنفسنا
وانبتَّ ما كان موصولاً بأيدينا

لم نعتقد بعدكم إلا الوفاءَ لكم
رأيًا ولم نتقلد غيرَه دينا
ما حقنا أن تُقروا عينَ ذي حسد بنا،
ولا أن تسروا كاشحًا فينا
كنا نرى اليأس تُسلينا عوارضُه
وقد يئسنا فما لليأس يُغرينا
بِنتم وبنا فما ابتلت جوانحُنا
شوقًا إليكم ولا جفت مآقينا
نكاد حين تُناجيكم ضمائرُنا
يَقضي علينا الأسى لولا تأسِّينا
حالت لفقدكم أيامنا فَغَدَتْ
سُودًا وكانت بكم بيضًا ليالينا
إذ جانب العيش طَلْقٌ من تألُّفنا
وموردُ اللهو صافٍ من تصافينا
وإذ هَصَرْنا غُصون الوصل دانية
قطوفُها فجنينا منه ما شِينا
ليسقِ عهدكم عهد السرور فما
كنتم لأرواحنا إلا رياحينا
لا تحسبوا نَأْيكم عنا يُغيِّرنا
أن طالما غيَّر النأي المحبينا
والله ما طلبت أهواؤنا بدلاً
منكم ولا انصرفت عنكم أمانينا
يا ساريَ البرقِ غادِ القصرَ فاسق به
من كان صِرفَ الهوى والود يَسقينا
واسأل هناك هل عنَّي تذكرنا
إلفًا، تذكره أمسى يُعنِّينا
ويا نسيمَ الصِّبا بلغ تحيتنا
من لو على البعد حيًّا كان يُحيينا
فهل أرى الدهر يَقصينا مُساعَفةً
منه ولم يكن غِبًّا تقاضينا
ربيب ملك كأن الله أنشأه
مسكًا وقدَّر إنشاء الورى طينا
أو صاغه ورِقًا محضًا وتَوَّجَه
مِن ناصع التبر إبداعًا وتحسينا
إذا تَأَوَّد آدته رفاهيَة تُومُ
العُقُود وأَدْمَته البُرى لِينا
كانت له الشمسُ ظِئْرًا في أَكِلَّتِه
بل ما تَجَلَّى لها إلا أحايينا
كأنما أثبتت في صحن وجنته
زُهْرُ الكواكب تعويذًا وتزيينا
ما ضَرَّ أن لم نكن أكفاءَه شرفًا
وفي المودة كافٍ من تَكَافينا
يا روضةً طالما أجْنَتْ لَوَاحِظَنا
وردًا أجلاه الصبا غَضًّا ونَسْرينا
ويا حياةً تَمَلَّيْنا بزهرتها
مُنًى ضُرُوبًا ولذَّاتٍ أفانِينا
ويا نعيمًا خَطَرْنا من غَضَارته
في وَشْي نُعمى سَحَبْنا ذَيْلَه حِينا
لسنا نُسَمِّيك إجلالاً وتَكْرِمَة
فقدرك المعتلى عن ذاك يُغنينا
إذا انفردتِ وما شُورِكْتِ في صفةٍ
فحسبنا الوصف إيضاحًا وتَبيينا
يا جنةَ الخلد أُبدلنا بسَلْسِلها
والكوثر العذب زَقُّومًا وغِسلينا
كأننا لم نَبِت والوصل ثالثنا
والسعد قد غَضَّ من أجفان واشينا
سِرَّانِ في خاطرِ الظَّلْماء يَكتُمُنا
حتى يكاد لسان الصبح يُفشينا
لا غَرْو فِي أن ذكرنا الحزن حِينَ نَهَتْ
عنه النُّهَى وتَركْنا الصبر ناسِينا
إذا قرأنا الأسى يومَ النَّوى سُوَرًا
مكتوبة وأخذنا الصبر تَلْقِينا
أمَّا هواكِ فلم نعدل بمنهله
شِرْبًا وإن كان يروينا فيُظمينا
لم نَجْفُ أفق جمال أنت كوكبه
سالين عنه ولم نهجره قالينا
ولا اختيارًا تجنبناه عن كَثَبٍ
لكن عدتنا على كره عوادينا
نأسى عليك إذا حُثَّت مُشَعْشَعةً
فينا الشَّمُول وغنَّانا مُغَنِّينا
لا أَكْؤُسُ الراحِ تُبدى من شمائلنا
سِيمَا ارتياحٍ ولا الأوتارُ تُلهينا
دُومِي على العهد، ما دُمْنا، مُحَافِظةً
فالحُرُّ مَنْ دان إنصافًا كما دِينَا
فما اسْتَعَضْنا خليلاً مِنك يَحْبسنا
ولا استفدنا حبيبًا عنك يُثْنينا
ولو صَبَا نَحْوَنا من عُلْوِ مَطْلَعِه
بدرُ الدُّجَى لم يكن حاشاكِ يُصْبِينا
أَوْلِي وفاءً وإن لم تَبْذُلِي صِلَةً
فالطيفُ يُقْنِعُنا والذِّكْرُ يَكْفِينا
وفي الجوابِ متاعٌ لو شفعتِ به
بِيْضَ الأيادي التي ما زلْتِ تُولِينا
عليكِ مِني سلامُ اللهِ ما بَقِيَتْ
صَبَابةٌ منكِ نُخْفِيها فَتُخفينا

*******************





https://falih.ahlamontada.net

الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى