اسلام سيفلايزيشن -السيد فالح آل الحجية الكيلاني

الحضارة الاسلامية باشراف المهندس خالدصبحي الكيلاني والباحث جمال الدين فالح الكيلاني


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الشعرفي العصر العباسي الاول بقلم د فالح الكيلاني

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

ا



الشعر في العصر العباسي الاول \ القسم الاول






الشعر من اوائل الامور التي تتأثر بامور الحياة اليومية وما يكتنفها من تفاعلات واحداث وما يجري عليها ما يغير مسارها ومنهجيتها سلبا او ايجابا تبعا للاحداث و ذلك لان الشعراء هم اعلى طبقة في المجتمع البشري في احاسيسهم وانفعالاتهم النفسية والقلبية والفكرية فهي عالية سامية رقيقة لديهم تبثق مما يشعرون به من خلال تعاملهم مع الحياة ومع الاخرين والطبيعة ومع كل ما يدور بخلدهم ولما كانت الحياة في هذا العصر قد تطورت كثيرا فلا غرو ان الشعر تطور بتطورها ايضا , فقد تطور تطورا واسعا تبعا لتطور الحياة ومنافذها واتجاهاتها . والشعر يدخل من كل المنافذ ويخرج باتجاهات شتى ويسمو في كل الاتجاهات وكانه شذى عطر عبق في مهب نسيم عليل . فقد اتسعت افاق واخيلة الشعراء - والشعراء اخصب الناس خيالا - أ لم يقل الله تعالى فيهم في محكم كتابه القرآن الكريم – ( وانهم في كل واد يهيمون ) – فازداد الخصب الشعري وتفتقت الاخيلة واتسعت الفنون الشعرية والاغراض المختلفة فيه في كل مدارج الحياة فظهرت اغراض وفنون جديدة لم تكن موجود ة في العصر الاموي وما قبله فنشأت هذه تبعا للتطور الفكري والحضاري فكانت هذه الشاعرية متأتية من التداخل والتزاو ج بين الثقافات العربية وغير العربية و من اجناس اقوام المجتمع العباسي حيث اختلطت فيه العربية بالفارسية والرومية والتركية وغيرها فكانت رافدا واسعا للحضارة العربية في هذا العصر وما بعده .

نعم لقد تطور الشعر بتطور الحياة وبهذا تطورت معانيه ثم تصرف الشعراء بمعاني واساليب الشعراء قبلهم وحللوها ووسعوا دائرتها وزادوا عليها او انقصوا منها تبعا لكل ظروف مجتمعهم و حاجته في تماشي حياتهم الجديدة واسلوبية المجتمع الانساني فيها فتطور التصوير الشعري وكثر الابداع فيه فوجد التشبيه وصوره المختلفة وكثرت المحسنات اللفظية ورقت المعاني ودقت واستعملت الفاظ جديدة ارق واسهل مما كانت عليه في العصور المختلفة قبله وقل تم استبدال الالفاظ البدوية والصحراوية بغيرها كما استعملت بعض الكلمات غير العربية ( الاعجمية ) في الشعر تبعا لهوى الشاعر واصله ان كان عربيا قحا او من الموالي واحسنوا استعمالاتها وصياغتها وربط الجمل العربية بها واصبحت تسمى – الفاظا معربة .

و استعمل الشعراء المحسنات البلاغية و البديعية من طباق وجناس وتشبيه واستعارات وكثرت هذه بشكل ملفت للنظر في هذا العصر وبالاجما ل فان الشعر في هذا العصر تطورا تطورا واسعا وعظيما في جميع اموره وفي شتى المجالا ت الادبية و الشعرية واللغوية والفنية.


ان الشعر العربي في هذا العصر نتيجة لتطوره الواسع وافاقه المتسعة تأثر بكل التيارات والاحوال السياسية والاجتماعية والاقتصادية و تعكسه كل ما تراءى لها من امور هذا بالاضافة الى تطور الثقافة الشعرية .

كان من اسباب سقوط الدولة الاموية وقيام الدولة العباسية والذي له ابلغ الاثر في الناحية الثقافية والادبية ان الامويين اتبعوا سياسة التعصب للعنصر العربي الذي اعتبروه هو النسغ الصاعد او الناقل الحياة الى جسم الدولة المترامية الاطراف مما أ ّلّب عليها الفئات غير العربية التي اصبحت ضمن حدود الدولة الاسلامية المحكومة من قبلهم اضافة الى ذلك ان العرب انفسهم من اعداء الامويين من العرب مثل العباسيين ومنهم العلويين خاصة وضعوا ايديهم بأيدي هذه الفئات غير العربية وتحالفوا معها على اضعاف الهيمنة العربية على مرافق الدولة والعمل على اضعافها ومن ثم اسقاطها ومن اكبر هذه التحالفات – الفارسية العربية - حيث اخذ الفرس يشعرون بقيمة رد اعتبار سلطة الدولة الفارسية فاتخذوا من الاسلام ذريعة لذلك واخذوا يعملون على ا ضعاف العنصر العربي واتخذوا من العلويين والعباسيين شمّاعات يختلفون اليها في تعليقهم عملهم السياسي وشموعا لتنير لهم طريقهم في ذلك . وبدأت تظهر لديهم حركات سياسية سرية في بداية امرها و تحولت بمرور الزمن الى قوة عسكرية تحالفت مع من اراد الاستحواذ على هيبـة الـدولة الامـوية واسقاطـها لامـور يعرفـها الســا سـة المنصفون . وقد عرجنا على ذكرها قليلا لارتباطها بالثقافة الادبية التي شملت كل مناحي الحياة ومنها السياسة.

كما ان للمنازعات الحزبية والتعصب القبلي يد طولى في سقوط الحكم الاموي فتجمعت كل هذه الاسباب والاحوال على بغض العنصر العربي الاموي او ما سار عليه الاموييون اثناء حكمهم فتجمعت كلها بقيادة العباسيين وبمعاونة التيار الفارسي وقاموا بثورة انطلقت شرارتها من بلاد فارس لتقضي على الامويين وتسقط حكمهم ولتقوم الدولة العباسية الجديدة الفتية سنة \ 132 هجرية.

قامت الدولة العباسية في العراق اثر سقوط الدولة الاموية في الشام وكان للفرس اثر عظيم وكبير في قيام الدولة الجديدة وفي سياستها وشؤونها وقد ادى ذلك الى تدخل الفرس بسياسة الدولة وقيادتها وقد ادى ذلك الى اقتباس الكثير من النظم والعادات والتقاليد الفارسية التي حلت محل العربية واخذ الناس في تقليد الفرس في اشياء كثيرة فادى ذلك الى هيمنتهم على بعض المناطق وخاصة في بلاد فارس والثغور الشرقية للدولة الاسلامية فضعف النفوذ العربي وقل تدخلهم في شؤون الحكم والدولة التي اصبح الكثير من رجالاتها وقادتها من الفرس واصبح العربي الذي كان يأنف ان يعمل في بعض الاعمال الحرة التي كان يحتقرها يزاولها وكان قبل ذلك لا يزاولها الا مكرها طلبا للعيش والبحث عن لقمة تسد رمقه.

و لقد ضعف النفوذ الفارسي في العراق ( دولة الخلافة العباسية ) بعد ان استتب الوضع الحكومي و نتيجة قوة الخلفاء العباسيين في الصدر الاول للخلافة العباسية كالمنصور بقتله ( ابو مسلم الخراساني ) والرشيد بنكبة ( البرامكة ) وضربهم الحركات المجوسية التي ظهرت في وقتهم والقضاء عليها – الا انها انتعشت من بعدهم بعد الرشيد وهؤلاء الخلفاء كانوا من اسباب ضعف العنصر العربي في الدولة العباسية بسب زواجهم ازواجا فارسيات وتركيات او روميات فكان اولادهم منهن يميلون كل الميل الى اخوالهم وهذا ما فعله الخليفة المأمون اذ ان امه فارسية حيث قرّب الفرس واعتمد عليهم في الحرب و القضاء على اخيه الامين ( ابن العربية ) وقتله وتسيير د فة الحكم وما فعله المعتصم من بعده و امه تركية اذ قرب الاتراك وسيّر دفة الدولة فيهم مما طمّع هؤلاء وهؤلاء في السيطرة على الحكم بحيث اصبح الخلفاء العباسيون ضعافا من بعدهم بتصرف السلاجقة والبويهيين وجعلوا هؤلاء الخلــفاء كأدوات شــطرنج يتلاعبون فيهم وفي مصائرهم كيفما يشاؤون وظهر التطرف التركي او النفوذ التركي بدلا عن الفارسي وظهرت سيطرة الاتراك على الوضع السياسي وربـما الاجتـماعي والثقافي ايضا وساءت حالة المواطن العربي في وطنه في هذا الدور حيث لم يبق للدولة هيبة غير الخلافة وبالاسم والرسم فقط. وكذلك الحال في العصر البويهي .

هذه وغيرها ادت الى تغيير في وجه الشعر العربي حيث ارتفع صوت الشعر السياسي ضد الامويين ونعي حكمهم المنهار كما تمثلت العصبيات القبلية بين العرب انفسهم واستعر اوارها بين قيسية ويمانية وعدنانية وقحطانية كما ظهرت حركة ( الشعوبية ) قوية جدا. وادت هذه الاحوال الى ظهور خلافات واسعة بين الهاشميين انفسهم وخاصة بين العباسيين والعلويين اذكاها الفرس حتى وصلت الى حد المقاتلة والعصيان والكراهية كما ظهرت الخلافات العقائدية والدينية المذهبية بين الطوائف والنحل المختلفة أي ان الفرقة وصلت في كل شيء نتيجة التوسع الطامي في الدولة الاسلامية وكان لكل فرقة او مذهب او عنصر او قوم او قومية ادباء وشعراء ورجال يقودونها ويحركونها سواء كانت حركات سياسية او دينية او عنصرية او قبلية او ثقافية..

ومن جانب اخر عنى الخلفاء العباسيون في الثقافة عناية كبيرة وبذلوا المال بسخاء لتطويرها واغدقوه على الشعراء والادباء والمفكرين وذوي الالباب والعلوم والثقافة بحيث تطورت كثيرا وكانت المنافسة بين هؤلاء واسعة وشجعوا الترجمة من اللغات الاجنبية الى العربية فكانت رافدا جديدا يصب في بحر اللغة العربية فاتسعت الافاق وتبارى الرجال في السباق في ميادين العلم والثقافة والادب واللغة والدين فكان لذلك الاثر الكبير في قيام ثقافة عربية واسعة في هذا العصر ما زالت لحد الان تعد مفخرة من مفاخر الامة العربية وعصورها الذهبية .

وكانت الثقافة العربية مستقاة من مصدرين الاول الثقافة العربية التي كان عليها العرب قبل هذا العصر من الاداب الجاهلية من شعر ونثر والاسلامية التي نبعت من القران الكريم والسنة النبوية الشريفة او قلْ كان القران الكريم رافدا واسعا لها وحافظا ( وحارسا عليها ) وكذلك الحديث الشريف وكذلك اقوال الشعراء في الجاهلية والاسلام ومن الامويين و الادباء والعلوم التي اخذت بالاتساع في زمنهم لتصل في نهاية الدولة الاموية الى الثقافة العربية المتميزة بعد ان نمت جذورها وعلت منابتها الا انها ازدهرت في هذا العصر وآتت ثمارها في هذا العصر العباسي .

اما المصدر الثاني فهي الثقافة الاجنبية التي ترجمت من الامم المجاورة للعربية كالفارسية والتركية واليونانية والهندية و كانت نتيجة حتمية لانصهار هذه الاقوام في يوتقة الامة العربية و بالاسلام فآتت اكلها حيث اثرت التاثير الكبير على ا خيلة الشعراء وثقافاتهم فتوسعت افكارهم وازدادت علومهم وتفتقت قرائحهم لتاتي بقصائد ذات معان شعرية جديدة كان الاقتباس واضحا وجليا فيها. فالمتذوق للشعر العربي في هذا العصر لا تخفى عليه تلك الميزة التي تطالعه من خلال النتاج الشعري الثر وطائفة صالحة تحمل ذلك الطابع المشوب بالرقة لتؤكد هذا الاتجاه في الأسلوب الشعري

لاحظ قول بشار بن برد متغزلا :

لم يطل ليلي ولكن لم أنم
ونفى عني الكرى طيفٌ أ لم

ختم الحب لها في عنقي
موضع الخاتم من أهل الذمم

رفِهي يا (عبد) عني واعلمي
إنني يا (عبد ) من لحم ودم

إن في بردي جسمًا ناحلا
لو توكأت عليه لأ نهدم

كان العرب امة واحدة في عاداتهم وتقاليدهم وما آلفوه عن ابائهم واجدادهم فلما اختلطوا بغيرهم من الاقوام نتيجة توسع رقعة الدولة العربية الاسلامية او نتيجة الفتح الاسلامي الواسع حيث امتدت الخلافة العربية الاسلامية من الصين شرقا الى المحيط الاطلسي غربا حتى قيل ان الخليفة هارون الرشيد كان يخاطب الغيوم في السماء فيقول ( اذهبي ايتها الغيوم في السماء فأينما تكوني يأ تيني رزقك وخيرك ) وامتزجوا بهم نتيجة التعامل او التقارب في العصرين الاموي والعباسي وكان لهذا التوسع اثر عظيم في تفرق العرب لاندساس الاقوام الاخرى وعملهم الجاد في ايجاد كيانات لهم ضمن الكيان العربي و ومحولة هيمنتهم على امور الدولة وتقريبهم للفئات التي جاؤوا منها ومحاولة ابعادهم العرب عن دفة الدولة ورجالها فأدى ذلك الى قيام حركات شعوبية معادية للعنصر العربي لامة او جامعة للعناصر غير العربية وخاصة من الفرس والاتراك.

لقد تاثر العرب بالفرس كثيرا فظهر هذا التأثر بمشاركتهم اعيادهم واحتفالاتهم واقتناء العرب الجواري والغلمان الجميلات وشيوع العبث واللهو و الخلاعة والمجون والفساد واللامبالاة وكل ما لم يألفه العرب من ذي قبل وبث الافكار الالحادية المستقاة من المجوسية والوثنية فكثرت الزندقة وظهرت الشعوبية و كل امر شائن مما حدى ببعض الخلفاء العباسيين في صدر الدولة العباسية من مطاردة دعاة هذه الاعمال للحد منها كالخليفة المهدي والمنصور والرشيد وكذلك المذهبية وطغت هذه الامور على الحياة العامة حتى في دقائق امورها مثل المأكل والملبس والمسكن وفي امور الحياة الاجتماعية فوجد من تزيا بزي جديد - نصف عربي - وشيدت القصور وتوسع الناس في البناء و الانشاء وتفننوا فيها بحيث شملت كل مرافق الحياة العامة .

فقد تنوعت اساليب الحياة وطرق الكسب والمعيشة وكان لكل ذلك اثره الكبير في تطور تيار الشعر العربي بحيث ظهرت فنون شعرية جديدة لم تكن موجودة او معروفة كالغزل بالمذكر . ووصفت الحياة ومظاهر الحضارة الجديدة على حالتها التي وصلت اليها من قصور ورياض ومواسم واعياد وقد ادى ذلك الى ارتقاء الشعر درجات على في سلم الثقافة العربية.

لقد تطورت اساليب الشعر العربي في العصر العباسي كثيرا جراء اطلاع الشعراء على الثقافات الاجنبية ونمو مداركهم وزيادة معلوماتهم وتطور الحياة الحضارية في هذا العصر فقد مال الشعراء الى استخدام الاساليب السهلة المفهومة المنسوجة من واقع الحياة المعاشة وابتعدوا عن اللفظة الصعبة او البدوية التي قل استعمالها او هجرت في الاغلب واستعملوا المحسنات البديعية والالفاظ الجديدة تبعا لتطور الامور وحتى وصلت الحال في بعضهم من استخدام الفاظ اعجمية في شعره وقد نشير ان مفهوم الأسلوب يعني الطريقة او السلوكية التي يتبعها الشاعر في نظم شعره فيقال مثلا سلكت أسلوبه وتعني طريقته وكما يقال كلامه أسلوبه الافضل .

و كلمة الأسلوب التي تجري على ألسنة الشعراء والادباء والنقاد في بعض الاحيان والمراد بها التراكيب اللغوية بمعنى انفصالها عما تدل عليه من معانٍ كانت مضمرة في نفس الشاعر الاخر وهو إيهام يجعل من الأسلوب كلمات مرصوفة ذات حروف ومقاطع ربما تدل على فهم شيء للأسلوب حيث يهب الحياة والجمال أو الجمود والقبح لذلك النص او هذا .

وبالجملة هو طريقة التعبير بالألفاظ المترتبة على معرفة ترتيب المعاني في النفس في طريقة الأداء اللفظي لما ينسقه الفكر من معانٍ وينظمه العقل من أفكار ازاء الطريقة التعبيرية التي ترتبط بالمعاني اذ ان أول ما تحدث في هذا المعنى وأنه ربما يعتمد في نظريته على الاعتداد بمجموع ما يذكره في مواضيع مختلفة اذ إنه لا يتصور أن يعرف للفظ مواضع من غير أن يعرف معناه و أنما يتوخى الترتيب في الألفاظ - من حيث هي ألفاظ ترتيبًا وتنسيقا ونظمًا أي يتوخى الترتيب في المعاني ويعمل الفكر في انتقاء الالفاظ ويقتفي آثارها بحيث تترتب بخدمة المعاني وتبقى تابعة لها او لاحقة بها مع العلم بمواقع المعاني في النفس او بمواقع الألفاظ الدالة عليها في النطق و يقوي النص في الأسلوب او بمعنى اخر هو الأداء اللفظي المطابق للصورة الذهنية لمفهوم الأسلوب الناجم عن قدرة الملكة في اللسان العربي بحيث يكون ثمرة الاعتماد على الطبع والالهام والتمرس على ايجاد الكلام البليغ الذي ينسج فيه التراكيب أو القالب الذي يفرغ فيه ما يعتمل في قلبه ونفسيته من احاسيس وهنا تكمن وظيفة البلاغة والبيان .

فالأسلوب هو الصورة الذهنية للتراكيب المنظمة كلية باعتبار انطباقها على تركيب خاص وتلك الصورة ينتزعها الذهن من أعيان التراكيب وشخوصها بحيث يصيرها في الخيال كالقلب ثم ينتقي التراكيب الصحيحة على اعتبار النحو والبيان فينسقها فيه تنسيقا متراصا كما يفعله البنّاء في قالبه الخاص أو النساج في المنوال حتى يتسع ذلك بحصول التراكيب الاسمى بمقصود الكلام للحصول على الصورة الامثل والافضل والاقرب لملكة اللسان للشاعر العربي لذا فلكل فن من الفنون من الكلام أساليب تختص به وهذه الأساليب التي نحن نقررها ليست من القياس في شيء وإنما هي حالة قد ترسخ في النفس من تتبع التراكيب في الشعر العربي تجري كجريانها على اللسان كي تثبّت صوتها و صورتها المطلوبة في تقريبه إلى فهم المتلقي بشكل اسنى وافضل والتي تمثل منزلة الروح من الجسد فالخيال في الأسلوب بوسائله المستعارة وما يتصل بالمعنى اتصالا وثيقًا بطريقة مرنة من طرق التفكير حيث أنه الأداة الواضحة للتعبير فهو طريقة التعبير اللفظي الحادثة على تنسيق الفكرة والمعبرة عن أدق خفاياها ومدار جودتها أو انها طريقة التنسيق ومدى نهوضها بالمعاني المعبرة عما في دواخلها او ما تكتنفه من معان بليغة . لاحظ قول البحتري:

كأ ن الرياض الحور يكسين حولها
افانين من افواف وشي ملفق

اذا الريح هزت نورهن تضوعت
روائحه من فائر مسك مفتق

كأن القباب البيض والشمس طلعة
تضاحكها انصاف بيض مفلق

لقد صاغ الشعراء العباسيون أساليبهم في ضوء حضارة الدولة وثقافتها وطريقة تذوقها للفنون لذا جاء الأسلوب الشعري اقرب إلى الرقة في النسج والدقة في التصوير والدماثة في التعبير وشاعت في حواشيه ألوان من الزخرفة اللفظية وضروب من الزينة والجمال واكتنفت أنغامه حالة من الفخامة المؤثرة والتي قد تهز العواطف وتحرك المشاعر وتثير الاحساس . فالشعراء الاكثر تحضرا يميلون بطبعهم إلى الكياسة والزينة والانس في كل شيء فالطبع الحضري تستهويه الأناقة في كل ما حوله ويجذبه التأنق وتقربه اليها وهو ما يدلل على تطور هذه الأذواق ورقيها وهذا سبب قوي في ايجاد أسلوب شعري تركن اليه النفس لتستريح عنده في حسن صياغة أ نيقة مثل مرآة صقيلة عاكسة على صفحتها كل فنون الجمال والتنسيق الاسنى والافضل لاحظ قول بشار في ذلك :

ومخضب رخص البنا ن
بكى عليَّ وما بكيته

يا منظرًا حسنًا رأيـ ـت
بوجه جارية فديته

بعثت إليَّ تسموني
ثوب الشباب وقد طويته

ثم حالة جديدة ونقصد بها السهولة في الاسلوب ذلك الأسلوب اللين الذي يميل إلى العامية أو يؤثرها بعضهم وهذه السهولة ربما حاولها غيرهم في أساليبهم فيخفقون وينكصون عن الايتاء بمثلها وتستعصي عليهم وتمتمنع عنهم امتناعا ربما يكون عند بعضهم شديدا قد يسلمهم إلى اليأس وينتهي بهم إلى الحيرة المشوبة بكثير من الإعجاب.وهذا ما نسميه بالسهل الممتنع وقد نسج فيه عدد من الشعراء في هذا العصر منهم ابو العتاهية لاحظ قوله :

كَمْ رأينا مِنْ عَزِيزٍ
طُوِيتْ عنه الكشُوحُ

صاحَ منه بِرَحِيلٍ
صائحُ الدَّهْرِ الصَّدُوحُ

موتُ بعضِ الناسِ في
الأرْضِ على قومٍ فُتُوحُ

سيصير المرءُ يوماً
جَسَداً .. ما فيه رُوحُ

وقد ترك اغلب شعراء هذا العصر كثيرا مما كان يسير عليه الشعراء في الجاهلية كاستهلال القصيدة بالغزل . ووصلت الامور الى ان تهكم بعضهم من هذه الطريقة واعتبرها بالية و سخروا من الشعراء الذين حافظوا عليها.
يقول ابو نؤاس :

قل لمن يبكي على رسم درس
واقفا ما ضر لو كان جلس

وكذلك لاحظ دخول الشعر بعض الالفاظ والاصطلاحات العلمية واللغوية كقول الشاعر ابو تمام في الخمرة:

خرقاء تلعب بالعقول حبابها

كتلاعب الافعال بالاسماء

وكذلك كثر استعمال المحسنات الكلامية البلاغية كالبديع والطباق والجناس والتشبيه الفردي و التصويري والاستعارات المختلفة وتفنن الشعراء فيها وتزيينهم لشعرهم بها كل قدر امكاناته اللغوية وقدراته البلاغية والشعرية وقوة شاعريته يقول البحتري:

فلم ار مثلينا او مثل شاننا

نعذب ايقاظا وننعم هجّدا

وكذلك كثر استعمال الكلمات الاعجمية في الشعر فوجد فيه كلمات اعجمية مثل الديباج او الفاذولج وخاصة الفارسية . فالشاعر كانه يتحدث إلى جمهور مزيج من العرب والعجم ويعيش في بيئة حضرية وهذه البيئة قد ا بتعدت بالشباب الجدد عن صلابة حياة البادية وصعوبة أنماطها في الصحراء العربية فلم تعد ملكاتهم العربية الأصيلة وقابلياتهم النفسية قادرة على التماسك ازاء هذه التغيرات فلانت انفسهم واحوالهم بالحضارة العباسية وتأثروا بالوا فد الجديد الذي حبب السهولة إلى نفوسهم وخلطها بأذواقهم.
لاحظ احدهم يمدح الخليفة الرشيد فيقول:

من يلقه من بطل مسرندي

في زعفه محكمة بالسرد

تجول بين رأسه والكرد

لما هوى بين غياض الآسد

وصار في كف الهِزَبْر الورد

وثانيهما: أن الشعراء أنفسهم كانوا -غالبًا- من هذا المزيج ولكن مواهبهم الفنية كانت تعطفهم إلى النهج العربي الصميم وثقافتهم العربية وآدابها و كانت تشد من ملكاتهم فيما يتصل بالتعبير ولهذا كانت أساليبهم في يسرها من باب السهل الممتنع بما تضمنت من رقة آسرة وعذوبة خلابة. والشعراء الذين ا د خلوا هذه الالفاظ في الاغلب اما من اصل فارسي او يميلون الى الاصول الفارسية او لهم اطلاع واسع في اللغة الفارسية كابي نؤاس وابن الرومي وابن المعتز.
يقول ابن المعتز :

قم نصطبح فليالي الوصل مقمرة
كانها باجتماع الشمل اسحار

اما ترى اربعا للهو قد جمعت
جنك وعود وقانون ومزمار

ثم ا دخلت الى اساليب الشعر الفاظ فلسفية و علمية وكل ما احاط بالشعراء من امور ثقافية ومعالم وتطور وابتذال وقوة اسلوب وجد وهزل في شعر هذا العصر والشاعر من ابدع فيها واجاد .
.لاحظ قول ابي العلاء المعري :

اذا رجع الحصيف الى حجاه
تهاون بالشرائع وازدراها

فخذ منها بما اتاك لب
ولا يغمسك جهل في صراها

وهت اديانهم من كل وجه
فهل عقل يشد به عراها


وكان من اثار تطور الحياة العامة في العصرالعباسي ان تطورت الحضارة والثقافة والسياسة وتطورت تبعا لها معاني الشعر واخصبت اخيلة الشعراء وازدحمت بشتى معالم الحياة وتفنن الشعراء في معاني الشعر فقد تصرف الشعراء اولا بمعاني شعر الاقدمين قبلهم واضفوا عليها طابعا من الحسن والطرافة ورقة حواشي الصور الشعرية والبلاغية فاستخدم الشعراء اقيسة منطقية وتعبيرات لغوية تكاد تكون جديدة فيما البسوه لها من قشابة الالوان وتباين الانواع فاحسنوا التصوير والابداع واتسعت اخيلتهم الى افاق واسعة اضافية فجاؤوا بها وتظهر هذه الابداعات في التشبيه وسعة الخيال الشعري وما اكتنفه من اضافات في محسنات اللغة من طباق وجناس و بيان اضافة الى التراكيب اللفظية والصور الجميلة وتسلسل المعاني وتلاحمها
فمن تصرف الشعراء بمعاني الاقدمين قول الشاعر سلم الخاسر:

فانت كالدهر مبثوثا حبائله
والدهر لا ملجأ منه ولا هرب

ولو ملكت عنان الريح اصرفه
في كل ناحية ما فاتك الطلب

ومن تطور واستعمال الاقيسة المنطقية قول الشاعر البحتري:

دنوت تواضعا وعلوت مجدا
فشأناك انحدار وارتفاع

كذاك الشمس تبعد ان تسامى
ويدنو الضوء منها والشعاع

ومن حسن الابداع والتصوير الشعري الحسن قول الشاعر المجدد بشار بن برد متغزلا:



يا قوم اذنى لبعض الحي عاشقة
والأذن تعشق قبل العين أحيانا

فقلت احسنت انت الشمس طالعة
اضرمت في القلب والاحشاء نيرانا

باتت تناولني فاهاً فألثمـــــهُ
جنيّة زُوّجت في النوم إنســانا

فاسمعيني صوتا مطربا هزجا
يزيد صبا محبا فيك اشجانا

يا ليتني كنت تفاحا مفلجة أو كن
ت من قضب الريحان ريحانا


اما علم العروض او علم اوزان الشعر وكيفية نظم الشعر والنطق به والفارق بين الشعر والنثر فنشأ بنشوء الشعر فهو روح الشعر وحركته اذا اتفق مع حسن المعاني وارتبط بافضل الاساليب او قل هو النغم او الموسيقي التي تسري في جسد الشعر العربي ومن خلال الاذن الموسيقية العربية لا نشاء الشعر او سماعه او تذوقه.

فلم يكن العربي بحاجة الى تلقي موسيقى الشعر عن طريق الدراسة او تثبيتها باوزان معينة بل كانت الاذن الموسيقية لدى العربي مرهفة صاغية حساسة الى مدى بعيد خلال العصور الجاهلي وصدر الاسلام والاموي فانشد العربي الشعر على انغام و اصوات حركة الابل وسيرها في ليل او نها ر او من خلال تهادي المرء العربي وهو راكب عليها تتهادى به قليلا قليلا او امراة تهتز فوق ظهره في هودجها او من حركة الهواء الضارب في تلك الخيام التي يسكنها وعبثه فيها ا و من شدة حركة الخيل الزاحفة للقتال , فمن كل هذه ومن غيرها وجدت موسيقى الشعر العربية وتطورت فبقيت الاذن العربية عارفة انغامها في الشعر و ترابطها او بعض معايبها كطيها وخبنها وزحفاتها او اوتادها واعمدتها ورويها والقول في هذا الموضوع طويل- لاحظ مقالتي بعنوان ( النغم الايقاع )المنشورة في كتابي( في الادب والفن) وفي مدونتي على النت او موقعي فيه ( اسلام سيفلايزيشن ) .

ازدحمت الحياة وكثر اللغط وتشابكت الاصوات كلما كثرت البشرية واختلطت ببعضها فكثرت على الاذن العربية كل هذه الاصوات واختلفت نغماتها بعد تطور الحياة وازدهارها وتمازج العرب بالاعاجم وبالحياة العامة والحضارة الاممية وتشابكها والاسواق وما فيها من لغظ وضجيج فاصبح من الضروري ايجاد امر مكتوب لتفهمه وتتذوقه ويعينها او يعين الاذن في نشاته او عند سماعه فنشأ علم العروض في العصر العباسي الاول على يد الخليل بن احمد الفراهيدي البصري .

درس هذا العالم العربي الجليل كل ما قاله الشعراء ودرس الاصوات ونغماتها ومخارج الحروف من الحلق والتباين بين نغمة واخرى وقيد كل ذلك . فأوجد ان الشعر العربي قديما وحديثا لا تتعدى انغامه خمسة عشر نغما اسماها بحورا هي بحور الشعر العربي الذي انشد فيها الشعراء العرب - ولا يزالون - قصائدهم واشعارهم .

ثم جاء من بعده تلميذه الاخفش و اجهد نفسه في الدراسة ليجد بحرا اخر ابتكره ابتكارا من خلال معرفته الواسعة في الموسيقى الشعرية اسماه (المتدارك) تدارك به اخر النغمات من حيث الوزن الشعري فاصبحت بحور الشعرالعربي ستة عشرا بحرا هي التي ينظم بها الشعراء قصائدهم واشعارهم قديما وحديثا .
وهذه هي اذكرها مع تفاعليها:

1- الطويل : وأصل تفاعيله:

فعولن مفاعيلن فعولن مفاعل .


2- المديد : وأصل تفاعيله:

فاعلاتن فاعلن فاعلاتن فاعلن .


3- البسيط : وأصل تفاعيله:

مستفعلن فاعلن مستفعلن فاعلن .


4- الوافر : وأصل تفاعيله:

مفاعلتن مفاعلتن مفاعلتن .


5- الكامل : وأصل تفاعيله:

متفاعلن متفاعلن متفاعلن


6- الهزج وأصل تفاعيله:

مفاعيلن مفاعلين مفاعلين .


7- الرجز وأصل تفاعيله:

مستفعلن مستفعلن مستفعلن .


8- الرمل وأصل تفاعيله:

فاعلاتن فاعلاتن فاعلاتن .


9- السريع وأصل تفاعيله:

مستفعلن مستفعلن مفعولات.


10- المنسرح وأصل تفاعيله:

مستفعلن مفعولات مستفعلن .


11- الخفيف وأصل تفاعيله:

فاعلاتن مستفع لن فاعلاتن.


12 - المضارع وأصل تفاعيله:

مفاعيلن فاع لاتن مفاعيلن .


13- المقتضب وأصل تفاعيله:

مفعولات مستفعلن مستفعلن .

14- المجتث وأصل تفاعيله:

مستفع لن فاعلاتن فاعلاتن


15- المتقارب وأصل تفاعيله:

فعولن فعولن فعولن فعولن .


16- المتدارك ( ويسمى الخبب أو المحدث )
وأصل تفاعيله:

فاعلن فاعلن فاعلن فاعلن .

الا ان هذه البحور لم تبق على حالها فقد اجتزئت ونهكت ولحقها التغيير او انشطرت فنظمت القصائد بمجزوء البحر اومشطوره ودخلت اليها بعض الامراض العروضية مثل الخبن والطي والزحاف و...
لاحظ الشاعر صريع الغواني في الغزل يقول :

يا أيها المعمود قد شفك الصدود

فأنت مستهام خالفك السهود

تبيت ساهرًا قد ودعك الهجود

وفي الفؤاد نار ليس لها خمود

تشبها النيران من الهوى وقود

إذا أقول يومًا قد أطفئت تزيد

يا عاذلي كفى فإنني معمود


يتبـــــــــــــــــــــع

**********************************************






معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://falih.ahlamontada.net

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى