اسلام سيفلايزيشن -السيد فالح آل الحجية الكيلاني

الحضارة الاسلامية باشراف المهندس خالدصبحي الكيلاني والباحث جمال الدين فالح الكيلاني


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الشاعر- البوصيري بقلم د . فالح الحجية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الشاعر- البوصيري بقلم د . فالح الحجية في الأربعاء سبتمبر 09, 2015 12:39 am



البوصيري



هوشرف الدين أبو عبدالله محمد بن سعيد بن حماد الصنهاجي البوصيري يرجع بنسبه إلى قبيلة ( صنهاجة ) البربرية إحدى أكبر القبائل الأمازيغية المنتشرة في شمال إفريقيا، من ليبيا الى المغرب وقيل ان أصوله تعود لمنطقة دولة ( الحماديين) من (قلعة حماد ) ويعرفون هناك (بني حبنون )أحد فروع قبيلة (صنهاجة ) التي استوطنت الصحراء في جنوب المغرب العربي والجزائر وقد ذكر ذلك في شعره فقال :

فقل لنا من ذا الأديب الذي
زاد به حبي ووسواسي
إن كان مثلي مغربيا فما
في صحبة الأجناس من باس
وان يكذب نسبتـــي جئته
بجبتي الصوف ودفـــــاس

الا ان عائلته انتقلت نحو الشرق فسكنت في صعيد مصر وتزوج والده من مصعيد مصر لذا ابوه من الامازيغ البربر وامه من( بهنس) من الصعيد المصري .

ولد في اواخر محرم الحرام وقيل في صفر من عام \ 608 هجرية الموافق لليوم السابع من مارس (اذار) من سنة 1212 للميلاد وقيل ولد في شوال من سنة \ 807 هجرية – 1211ميلادية وقيل في رواية اخرى ولد سنة \ 609هجرية – 1213 ميلادية . وولادته كانت بقرية ( دلاص) إحدى قرى (بني سويف) في صعيد مصر ووالدته منها وقيل من قرية (بهشيم )من اعمال (البهنساوية ) ، ثم انتقلت عائلته الى قرية ( بوصير )القريبة من مدينة ( الفيوم ) والقريبة من مسقط راسه في جنوب مصر .
نشأ وترعرع في ( بوصير) فحفط القران الكريم ولما شب انتقل الى (القاهرة ) حيث تلقى علوم اللغة العربية والادب والثقافة والفقه وعنى بدراسة السيرة النبوية ومعرفة دقائق اخبار الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم وجوامع سيرته المعطرة.
ونظم البوصيري الشعر في صباه وشبابه ، وجرب أنواعاً من الشعر إلا انه مال إلى الزهد والتصوف فأتجه إلى المدائح النبوية، والشعر الصوفي ، وله قصائد كثيرة وقد غلب على الشعر في العصر المملوكي الذي عاشه البوصيري المدائح النبوية والموضوعات الدينية، ومنظومات الزهد والتصوف. فكانت قصائده بحق مدرسة لشعراء المدائح النبوية من بعده ، ونبراسا ينسج عليه الشعراء قصائدهم ، ويسيرون على نهجه ، فظهرت قصائد عديدة في فن المدائح النبوية ومنها قصائد البوصيري نفسه، فانتشرت بين ملايين المسلمين على مرّ العصور والازمنة واحبها المسلمون وحفظوا ابياتها ، و كانت دائمًا تشهد بريادة الإمام البوصيري وأستاذيته لهذا الفن بلا منازع. وتعد قصيدته الميمية المسماة (البردة ) وقصيدته ( الكواكب الدرية في مدح خير البرية ) من أعظم المدائح النبويةواشهرها ومن عيون الشعر العربي ، ودرة ديوان شعر المديح في الإسلام ،وما ا جادت به قرائح الشعراء على مرّ العصور ، وقد أجمع النقاد والادباء على أنها أفضل المدائح النبوية بعد قصيدة الشاعر ( كعب بن زهير ) التي اولها :
بانت سعاد فقلبي اليوم متبول
متيم اثرها لم يفد مكبول

وقد نظم ثلاث قصائد بائية لاتقل اهمية عن ( نهج البردة ) الاولى مطلها:
وافاكَ بالذنب العظيم المذنبُ
خجلا يُعنفُ نفسَه ويُؤنِّـبُ
ومطلع القصيدة الثانية :

بمدح المصطفى تحيا القلوبُ
وتُغتفرُ الخـطايا والذنوبُ
أما مطلع القصيدة الثالثة :
أزمعوا البين وشدوا الركابا
فاطلب الصبر وخلِّ العتابا
اما همزيته في مدح الحبيب المصطفى محمد صلى الله عليه وسلم فهي رائعة رائعة وتعتبر من عيون الشعرالعربي ومطلعها :
كيف ترقى رقيك ا لأنبياء
يا سماء ما طاولتها سماء

لَـمْ يُـساوُوك في عُلاكَ وَقَدْ
حالَ ســنــاً مِــنــك دونَــهـم وسَــنـاءُ
إنّــمـا مَـثَّـلُـوا صِـفـاتِـك لـلـناس
كــمــا مــثَّــلَ الــنـجـومَ الــمــاءُ
أنتَ مِصباحُ كلِّ فضلٍ فما تَصدُرُ
إلا عــــن ضــوئِــكَ الأَضــــواءُ
لـكَ ذاتُ العلومِ من عالِمِ الغَيبِ
ومــــنـــهـــا لآدمَ الأَســـــمــــاءُ
لم تَزَلْ في ضمائرِ الكونِ تُختَارُ
لــــــــك الأُمــــهـــاتُ الأَبـــــــاءُ
وُمُـحَيّاً كـالشَّمس مـنكَ مُـضِيءٌ
أسْــفَــرَت عــنـه لـيـلـةٌ غَـــرّاءُ
لـيـلةُ الـمـولدِ الـذي كَـان لـلدِّينِ
ســـــرورٌ بــيــومِـهِ وازْدِهــــاءُ

لقد التحق بالوظيفة وتولى الكثير من الوظائف العامة كالكتابة والجبايات ولقد آلمه كثيرا أخلاق الموظفين السيئة انذاك وذكر ذلك في شعره.
انكب البوصيري على دراسة مذهب الصوفية، فاطلع على سير عدد من المتصوفين قديماً وحديثاً كالحسن البصري ومعروف الكرخي والقشيري والجنيد البغدادي وعبد القادرالكيلاني وغاص فيها وتلقى الصوفية على يد أبي الحسن الشاذلي،ثم التحق بشيخه العابد المتصوف ابي العباس المرسي المغربي وكان قائد التصوف في ذلك الزمن. ومدح الطريقة الشاذلية في شعره فقال:

أعْـنِي أَبـا الحَسَنِ الإِمامَ المُجْتَبَى
مِـــنْ هَــاشِـمٍ والـشَّـاذِليَّ الـمَـوْلِدِ

إنَّ الإِمـــــامَ الــشَّـاذِلـيَّ طَــرِيـقُـهُ
فِي الفَضْلِ واضحَةٌ لِعَيْنِ المُهْتَدِي

فـانْـقُـلْ ولـــوْ قَـدَمـاً عَـلَـى آثــارِهِ
فـــإذَا فَـعَـلْـتَ فَـــذاكَ آخَـــذُ بـالْـيَدِ

تتلمذ على يده الكثيرمن العلماء الافذاذ مثل ابي الفتح اليعمري الاشبيلي المتوفي سنة 734هجرية وعز الدين الكناني الحموي المتوفي 735هجرية وأبي حيان الاندلسي المتوفي سنة 745هجرية وغيرهم كثير .
قيل أنه أصيب بمرض الفالج ، أو ما يُسمى الآن بالشلل النصفي ، وأُقعده ، فنظم قصيدته ( البردة ) وهي ميمية تقع في اربعمائة وسبعة وخمسين بيتا ونوى الإستشفاء بها وبعد ان اتم نظمه لها رأى في منامه النبي محمد صلى الله عليه وسلم ، فقرأ عليه قصيدته ، فمسح النبي صلى الله عليه وسلم بيده الكريمة على جسمه ، فقام من نومه معافىً بإذن الله وقيل انه راى النبي صلى الله عليه وسلم يغطيه ببردته فسمى قصيدته (البردة ) وهي احدى ورائع الشعرالعربي وهذه بعض ابياتها :
أمِــــنْ تَــذَكُّــرِ جِــيـران بِـــذِي سَــلَـمٍ
مَـزَجْـتَ دَمْـعـاً جَــرَى مِـنْ مُـقْلَةٍ بِـدَمِ

أمْ هَـبَّـتْ الـريـحُ مِــنْ تِـلْـقاءِ كـاظِمَةٍ
وأوْمَضَ البَرْقُ فِي الظلْماءِ مِنْ إضَمِ

فــمــا لِـعَـيْـنَيْكَ إنْ قُــلْـتَ اكْـفُـفـاهَمَتا
وَمـــا لِـقَـلْـبِكَ إنْ قُـلْـتَ اسْـتَـفِقْ يَـهِـمِ

أَيَـحْـسَـبُ الــصَّـبُّ أنَّ الــحُـبَّ مُـنْـكتِمٌ
مـــا بَــيْـنَ مُـنْـسَجِمٍ مـنـهُ ومُـضْـطَرِمِ

لـولاَ الـهَوَى لَـمْ تُـرِقْ دَمْعَاً عَلَى طَلَلٍ
ولا أَرِقْــــتَ لِــذِكِــرِ الــبَــانِ والـعَـلَـمِ

فـكـيـفَ تُـنْـكِرُ حُـبّـاً بـعـدَ مــا شَـهِـدَتْ بـــهِ عـلـيـكَ عــدولُ الـدَّمْـعِ وَالـسَّـقَمِ

وَأَثْـبَـتَ الـوجِـدُ خَـطَّـيْ عَـبْـرَةِ وضَـنىً
مِــثْـلَ الـبَـهـارِ عَــلَـى خَـدَّيْـكَ وَالـعَـنَمِ

نَـعَمْ سَـرَى طَـيفُ مَـنْ أهـوَى فَأَرَّقَنِي
والــحُــبُّ يَــعْـتَـرِضُ الــلَّـذاتِ بــالألَـمِ
مولاي صل وسلم دائما أبدا
على حبيبك خير الخلق كلهم

وقد عارضها الشعراء قديما وحديثا واشهر من عارضها ونسج على منوالها الشاعر المصري اميرالشعراء احمد شوقي بقصيدته المغناة ومطلعها :
ريم على القاع بين البان والعلم
احلت سفك دمي في الاشهر الحرم



قال ابن شاكر الكتبي في فوات الوفيات فيه :
( وشعره في غاية الحسن واللطافة ،عذب الألفاظ منسجم التراكيب )

وقال فيه اليعمري:
(هو أحسن من أبي الحسين يحيى الجزار وسراج الدين الوراق ، و بذلك نرى آن أحسن ما قاله البوصيري من شعر هو ما قاله في مدح الرسول الأعظم افضل الصلاة والسلام عليه واله وسلم)

تُوفِّي الإمام البوصيري رضي الله عنه بالإسكندرية سنة 695 هجرية -الموافق ـ1295ميلادية عن عمر بلغ 87 عامًا

يمتاز شعره بالرصانة والجزالة ، وجمال التعبير وحسنه والحس المرهف ، وقوة العاطفة و الرصانة والجزالة وأجاد في استعمال البديع، والبيان وغلبت على قصائده المحسنات البديعية، كما تميز شعره بقوة السبك واجاة المعاني، وقصائده تتميز بطول النفس والتفصيل والاستقصاء في المعاني فشعره حسن الديباجة مليح المعاني جميلها ويميل الى البساطة في روحه ومعناه ويميل إلى الاسترحام في بعض من شعره والى الدعابة في حالة الحرج وربما خرج احيانا عن حدود الرزانة والأدب وتنتشر العامية في شعره ويميل الى المحاججة والسخرية.
. واشتهر بمدائحه النبوية ، التي ذاعت شهرتها في الآفاق ، وتميزت بروحها العذبة ، وعاطفتها الصادقة ، وروعة معانيها ، وجمال تصويرها ، ودقة ألفاظها ، وحسن سبكها ، وبراعة نظمها
ولقد نظم قصيدته الميمية في رياضة النفس وتهذيبها
ومن ذلك قوله فيها :
والنفس كالطفل ان تهمله شب على
حب الرضاع وان تفطمه ينفطــــم
فاصرف هواها وحاذر ان توليــــه
ان الهوى ما تولى يصم او يصــم
وراعها وهي في الأعمــــال سائمة
وان هي استحلت المرعى فلا تسم
كـــــم حسنت لــــذة لـلمرء قـــــاتلة
من حيث لم يدر أن السم في الدسم
واخش الدسائس من جوع ومن شيع
فـــرب مخمصة شـر من الــــتخم
واستفرغ الدمع من عين قد امـتلأت
من الــــمحارم والزم حمية النــدم

واختم بحثي بهذه القصيدة من شعره :.

بِمَدْحِ المصطفى تَحيا القلوبُ
وتُغْتَفَرُ الخطايا والذُّنُوبُ
وأرجو أن أعيشَ بهِ سعيداً
وَألقاهُ وَليس عَلَيّ حُوبُ
نبي كامل الأوصافِ تمت
محاسنه فقيل له الحبيبُ
يُفَرِّجُ ذِكْرُهُ الكُرُباتِ عنا
إذا نَزَلَتْ بساحَتِنا الكُروبُ
مدائحُه تَزِيدُ القَلْبَ شَوْقاً
إليه كأنها حَلْيٌ وَطيبُ
وأذكرهُ وليلُ الخطبِ داجٍ
عَلَيَّ فَتَنْجلِي عني الخُطوبُ
وَصَفْتُ شمائلاً منه حِساناً
فما أدري أمدحٌ أمْ نسيبُ
وَمَنْ لي أنْ أرى منه محَيًّاً
يُسَرُّ بحسنِهِ القلْبُ الكئِيبُ
كأنَّ حديثَه زَهْرٌ نَضِيرٌ
وحاملَ زهرهِ غصنٌ رطيبُ
ولي طرفٌ لمرآهُ مشوقٌ
وَلِي قلب لِذِكْراهُ طَروبُ
تبوأ قاب قوسين اختصاصاً
ولا واشٍ هناك ولا رقيبُ
مناصبهُ السنيّة ليس فيها
لإنسانٍ وَلاَ مَلَكٍ نَصِيبُ
رَحِيبُ الصَّدْرِ ضاقَ الكَوْنُ
عما تَضَمَّنَ ذلك الصَّدْرُ الرحيبُ
يجدد في قعودٍ أو قيامٍ
له شوقي المدرس والخطيبُ
على قدرٍ يمد الناس علماً
كما يُعْطِيك أدْوِيَة ً طبيبُ
وَتَسْتَهْدِي القلوبُ النُّورَ منه
كما استهدى من البحر القليبُ
بدت للناس منه شموسُ علمٍ
طَوالِعَ ما تَزُولُ وَلا تَغِيبُ
وألهمنا به التقوى فشقتْ
لنا عمَّا أكَنَّتْهُ الغُيُوبُ
خلائِقُهُ مَوَاهِبُ دُونَ كَسْبٍ
وشَتَّانَ المَوَاهِبُ والكُسُوبُ
مهذبة ٌ بنور الله ليست
كأخلاق يهذبها اللبيبُ
وَآدابُ النُّبُوَّة ِ مُعجزاتٌ
فكيف يَنالُها الرجُلُ الأديبُ
أَبْيَنَ مِنَ الطِّباعِ دَماً وَفَرْثاً
وجاءت مثلَ ما جاء الحليبُ
سَمِعْنا الوَحْيَ مِنْ فِيه صريحا
كغادية عزاليها تصوبُ
فلا قَوْلٌ وَلا عَمَلٌ لَدَيْها
بفاحِشَة ٍ وَلا بِهَوى ً مَشُوبُ
وَبالأهواءُ تَخْتَلِفُ المساعي
وتَفْتَرِق المذاهب وَالشُّعوبُ
ولما صار ذاك الغيث سيلاً
علاهُ من الثرى الزبدُالغريبُ
فلاتنسبْ لقول الله ريباً
فما في قولِ رَبِّك ما يَرِيبُ
فإن تَخُلُقْ لهُ الأعداءُ عَيْباً
فَقَوْلُ العَائِبِينَ هو المَعيبُ
فَخالِفْ أُمَّتَيْ موسى وَعيسى
فما فيهم لخالقه منيبُ
فَقَوْمٌ منهم فُتِنُوا بِعِجْلٍ
وَقَوْماً منهمْ فَتَنَ الصَّليبُ
وَأحبارٌ تَقُولُ لَهُ شَبِيهٌ
وَرُهْبَانٌ تَقُولُ لَهُ ضَرِيبُ
وَإنَّ محمداً لرَسولُ حَقٍّ
حسيبٌ فينبوته نسيبُ
أمين صادقٌ برٌّ تقيٌّ
عليمٌ ماجِدٌ هادٍ وَهُوبُ
يريك على الرضا والسخط وجهاً
تَرُوقُ به البَشَاشَة ُ وَالقُطوبُ
يُضِيءُ بِوَجْهِهِ المِحْرابُ لَيْلاً
وَتُظْلِمُ في النهارِ به الحُروبُ
تقدمَ من تقدمَ من نببيٍّ
نماهُ وهكذا البطلُ النجيبُ
وصَدَّقَهُ وحَكَّمَهُ صَبِيّاً
من الكفار شبانٌ وشيبُ
فلما جاءَهم بالحقِّ صَدُّوا
وصد أولئك العجب العجيبُ
شريعتُهُ صراطٌ مُستقيمٌ
فليس يمسنا فيها لغوبُ
عليك بها فإن لها كتاباً
عليه تحسد الحدق القلوبُ
ينوب لها عن الكتب المواضي
وليست عنه في حال تنوبُ
ألم تره ينادي بالتحدي
عن الحسن البديعِ به جيوبُ
وَدَانَ البَدْرُ مُنْشَقّاً إليه
وأفْصَحَ ناطِقاً عَيْرٌ وَذِيبُ
وجذع النخلِ حنَّ حنينَ
ثكلى لهُ فأَجابهُ نِعْمَ المُجِيبُ
وَقد سَجَدَتْ لهُ أغصانُ سَرْحٍ
فلِمَ لا يؤْمِنُ الظَّبْيُّ الرَّبيبُ
وكم من دعوة في المحلِ منها
رَبَتْ وَاهْتَزَّتِ الأرضُ الجَدِيبُ
وَروَّى عَسْكراً بحلِيبِ شاة ٍ
فعاودهم به العيش الخصيبُ
ومخبولٌ أتاهُ فثاب عقلٌ
إليه ولم نخلهُ له يثوب
وما ماءٌ تلقى وهو ملحٌ
أُجاجٌ طَعْمُهُ إلاّ يَطِيبُ
وعينٌ فارقَتْ نظراً فعادت
كما كانت وردّ لها السليبُ
ومَيْتٌ مُؤذِنٌ بِفِراقِ رُوحٍ
أقام وسرِّيَتْ عنه شعوبُ
وثَغْرُ مُعَمِّرٍ عُمراً طويلا
تُوفي وهو منضودٌ شنيب
ونخلٌ أثمرتْ في دون عامٍ
فغارَ بها على القنوِ العسيبُ
ووفى منه سلمانٌ ديوناً
عليه ما يوفيها جريب
وجردَ من جريدِ النخلِ سيفاً
فقيل بذاك للسيفِ القضيب
وهَزَّ ثَبِيرُ عِطْفَيْهِ سُروراً
به كالغصنِ هبتهُ الجنوبُ
ورَدَّ الفيلَ والأحزابَ طَيْر
ٌ وريحٌ مايطاقُ لها هبوبُ
وفارسُ خانها ماءٌ ونارٌ
فغيِضَ الماءُ وانطفَأَ اللَّهيبُ
وَقد هَزَّ الحسامَ عليه عادٍ
بِيَومٍ نَوْمُه فيه هُبوبُ
فقام المصطفى بالسيفِ يسطو
على الساطي به وله وثوبُ
وريعَ له أبو جهلٍ بفحلٍ
ينوبُ عن الهزبرِله نيوبُ
وشهبٌ أرسلتْ حرساً فخطتْ
على طرسِ الظلامِ بها شطوبُ
ولم أرَ معجزاتٍ مثل ذكرٍ
إليه كلُّ ذِي لُبٍّ يُنِيبُ
وما آياته تحصى بعدٍّ
فَيُدْرِكَ شَأْوَها مني طَلوبُ
طفقتُ أ‘دُّ منها موجَ بحر
ٍ وَقَطْراً غَيْثُهُ أَبداً يَصُوبُ
يَجُودُ سَحابُهُنَّ وَلا انْقِشَاعٌ
وَيَزْخَرُ بَحْرُهُنَّ ولا نُضُوبُ
فراقك من بوارقها وميضٌ
وشاقك من جواهرها رسوبُ
هدانا للإله بها نبيٌّ
فضائله إذا تحكى ضروبُ
وأَخبَرَ تابِعِيِه بِغائِباتٍ
وليس بكائن عنه مَغيبُ
ولا كتبَ الكتابَ ولا تلاه
فيلحدَ في رسالته المريبُ
وقد نالوا على الأمم المواضي
به شرفاً فكلهم حسيبُ
وما كأميرِنا فيهم أميرٌ
ولا كنقِيبنا لهمُ نقيبُ
كأن عليمنا لهم نبيٌّ
لدعوتِهِ الخلائقُ تستجيبُ
وقد كتبتْ علينا واجباتٌ
أشَدُّ عليهمُ منها النُّدوبُ
وما تتضاعفُ الأغلالُ إلاَّ
إذا قستِ الرقابُ أو القلوبُ
ولما قيلَ للكفارِ خُشْبٌ
تحكَّمَ فيهم السيفُ الخشيبُ
حَكَوْا في ضَرْبِ أمثلة ٍ حَمِيراً
فوَاحِدُنا لألْفِهِمُ ضَرُوبُ
وما علماؤنا إلا سيوفٌ
مواضٍ لاتفلُّ لها غروبُ
سَراة ٌ لم يَقُلْ منهم سَرِيُّ
لِيَومِ كَرِيهَة ٍ يَوْمٌ عَصِيبُ
ولم يفتنهمُ ماءٌ نميرٌ
من الدنيا ولا مرعى ً خصيبُ
ولم تغمضْ لهم ليلاً جفونٌ
ولا ألفتْ مضاجعها جنوبُ
يشوقكَ منهم كل ابنِ هيجا
على اللأواء محبوبٌ مهيبُ
له مِنْ نَقْعِها طَرْفٌ كَحِيلٌ
ومِنْ دَمِ أُسْدِها كَفٌّ خَضِيبُ
وتنهالُ الكتائبُ حين يهوى
إليها مثلَ ما انهال الكثيبُ
على طرق القنا للموتِ منه
إلى مهجِ العدا أبداً دبيبُ
يُقَصِّدُ في العِدا سُمْرَ العَوالي
فيَرْجِعُ وهْوَ مسلوبٌ سَلوبُ
ذوابلُ كالعقودِ لها اطرادٌ
فليس يشوقها إلا التريبُ
يخرُّ لرمحهِ الرُّوميُّ أني
تيقنَ أنه العودُ الصليبُ
ويَخْضِبُ سَيفَهُ بِدَمِ النَّواصي
مخافة َ أن يقالَ به مشيبُ
له في الليل دمعٌ ليس يرقا
وقلبٌ ما يَغِبُّ له وجِيبُ
رسول الله دعوة َ مستقيلٍ
من التقصيرِ خاطرهُ هبوبُ



********************************

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://falih.ahlamontada.net

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى