اسلام سيفلايزيشن -السيد فالح آل الحجية الكيلاني

الحضارة الاسلامية باشراف المهندس خالدصبحي الكيلاني والباحث جمال الدين فالح الكيلاني


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الشاعرة سلمى بنت القراطيسي بقلم- فالح الحجية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]




أسامة بن منقـذ



هو ابو المظفر أسامة بن مرشد بن علي بن مقلّد بن نصر بن منقـذ بن محمد بن منقذ بن نصر بن هاشم بن سوار بن زياد بن رغيب بن مكحول بن عمرو بن الحارث بن عامر بن مالك بن أبى مالك بن عوف بن كنانة الكناني الكلبي .

ولد في قرية ( شيزر) القريبة من حماة في27 جمادى الثاني سنة 488هجرية - 4 يوليو 1095ميلادية وكان بها حصن منيع وتقع البلدة علي ضفاف نهر العاصي بالقرب من حماه على بعد 15 ميلاً إلى الشمال من حماه وتقوم فوق هضبة عرفت بـ (عرف الديك) ونظرًا لأهميتها وموقعها الجغرافي كانت دائمًا مطمعًا للفاتحين وخاصة البيزنطيين وكان للأمراء المنقذيين جولات عظيمة في تحرير هذا الإقليم وبسط نفوذهم عليه.

اهتم أبوه بتربيته تربية عسكرية وحربية رغم زهده بالسياسة والمناصب وشُغفه بالصيد وقد نسخ القرآن الكريم وقد تنازل عن إمارة حصن (شيزر )لأخيه عز الدين أبي العساكر قائلاً:
(وَاللَّهِ الا وَلِيتُهُ وَلاخْرُجَنَّ مِنَ الدُّنْيَا كَمَا دَخَلْتُهَا )

ولما تولى عمه الإمارة و لم يكن له ولد بعد فاعتنى بابن أخيه -أُسَامة- وخصه بعطفه ورعايته ودربه على الفنون الحربية والسياسية والثقافية حتى يكون خلفًا له .

وقد أخرجه عمه أبو العساكر سلطان بن علي الأمير على بلد ة (شيزر) وبعد وفاة والده في غزواته او للدفاع عن حصون ملكه . وقيل خوفاً منه على نفسه لما رأى من شجاعته وإقدامه وقدم حلب مراراً متعددة وانتقل الى دمشق وسكن فيها حيث قرر أُسَامة الإرتحال والانتقال إلى دمشق خاصة بعد أن رزق الله عمه ولدًا وأحس أُسَامة بن منقذ - وهو الشاعر المرهف الحس - أن أحاسيس عمه قد تغيرت من ناحيته وزادت عنه وحشة ونفورًا وقد حذرته جدته لأبيه من عمه عندما رأته يوما داخلاً البلدة وبيده رأس أسد كان قد اصطاده ونصحته أن يمتنع عن ممارسة هذه الأعمال الا انه اجابها قائلا :
(إنما أخاطر بنفسي في هذا ومثله لأتقرب إلى قلب عمي )
فقالت:
( لا والله ما يقربك هذا منه وإنما يزيدك منه بعدًا ويزيده منك وحشًا ونفورًا )
فقال Sadفعلمت أنها نصحتني في قولها وصدقتني)

وفي أثناء إمارة عمه كانت (شيزر) عرضة للغزوات المتتابعة
من بني كلاب في حلب ومن الروم البيزنطيين ومن الفرنجة الصليبيين ولكن مناعتها الطبيعية وحصنها القوي وبسالة الأمراء المنقذيين حالا دون سقوطها.

نشأ أُسَامة والصراع الإسلامي الصليبي على أشد ه فنشأ محبًا للمخاطرة والمغامرة فارسًا بطبعه فاشترك في المعارك التي دارت ضد الصليبيين وخاض معارك دامية كأحد فرسان وأبطال تلك المعارك العظيمة والتي صنعت منه شخصية بطولية فذة تمثل الفروسية الإسلامية العربية على ما ازدهرت في ربوع الشام في أواسط القرون الوسطى والتي بلغت حدها الكامل في شخص صلاح الدين الايوبي او قل في عهد هذا الشاعر والامير القائد المغوار . وقد زاد على ذلك في نظم الشعر والإبداع في الكتابة وحبه للأدب والثقافة وإطلاعه على المعارف المختلفة .

وقيل انه في إحدى رحلاته وقع أسيرًا في يد الصليبيين فاستولوا على كل ما كان معه من المال والمتاع فلم يأسف أُسَامة بن منقذ إلا على ضياع كتبه التي كانت يحملها معه كعادته فحزن عليها حزنًا شديدًا ويذكر أن هذه الكتب بلغت أربعة آلاف كتاب من الكتب النادرة .

التحق أسامة بجيش نور الدين زنكي وعاش في بلاط النوريين بدمشق قرابة ثماني سنوات حيث اشترك في الحملات الحربية على الصليبيين في فلسطين .

وقاد عدة حملات على الصليبيين منها (قلعة حارم ) حيث جمع نور الدين بن محمود صاحب الشام العساكر بحلب وسار اليها وهي تحت تصرف الافرنج وتقع غربي حلب فحاصرها وجدّ في قتالها فامتنعت عليه لحصانتها وكثرة من فيها من فرسان الافرنج ورجالهم وشجعانهم . فلما علم الفرنج ذلك جمعوا فارسهم وراجلهم من سائر البلاد وحشّدوا الحشود واستعدوا للقتال وساروا نحوها ليبعدوه عنها فلما تقارب الجيشان طلب منهم (المصاف) فلم يجيبوه إ لى ما اراد وراسلوه وتلطفوا معه فلما رأى أنه لا يمكنه أخذ الحصن ولا يجيبونه إلى (المصاف ) عاد إلى بلاده و كان معه في قيادة هذه الغزوة مؤيد الدولة أسامة بن منقذ وكان في غاية الشجاعة والقوة والبسالة فلما عاد إلى حلب دخل إلى مسجد (شيزر ) وكان قد دخله في العام الماضي سائراً إلى الحج فلما دخله هذا العام كتب على حائطه:

لك الحمد يا مولاي كم لك منة
علي وفضلاً لا يحيط به شكري

نزلت بهذا المسجد العام قافلاً
من الغزو موفور النصيب من الأجر

ومنه رحلت العيس في عامي الذي
مضى نحو بيت الله والركن والحجر

فأديت مفروضي وأسقطت ثقل ما
تحملت من وزر الشبيبة عن ظهري

ثم برحها الى حصن (كيفا ) على نهر دجلة في الموصل فأقام فيها .

ولمّا لقى الفرنج في أرض (بصرى) و(صرخد) مع نور الدين كتب قصيدة اليه يقول فيها:

كل يوم فتح مبين ونصر
واعتلاء على الأعادي وقهر

صدق النعت فيك أنت معين
الدين إن النعوت قال وزجر

أنت سيف الإسلام حقا، فلا كَل
غراريك أيها السّيفُ دهر

لم تَزل تُضمر الجهاد مُسِرَّا
ثم أعلنت حين أمكن جهر

وقد صرف أُسَامة بن مُنقذ معظم شبابه في بلاط عماد الدين زنكي للفترة ( 477 - 541هجرية - 1084- 1146ميلادية ) ومع نور الدين محمود للفترة (511 - 569هجرية - 1118- 1174ميلادية ) بدمشق .

ثم انتقل بعدها إلى مصر في عام (539هجرية - 1144ميلادية ) وفي رواية اخرى سنة \540 هجرية حيث أقام قريبًا من البلاط الفاطمي وصاحب الخليفة الفاطمي الحافظ لدين الله وخلفه الظافر بأمر الله وشارك خلالها في أحداثها السياسية وكان شاهد عيان على كل المكائد والدسائس وثورات الجند وأحداث الفتن والنزاع الذى نشب بين الخلفاء والوزراء واشتداد الفساد الذى اتخذ من مصر مرتعًا خصبًا له في تلك الحقبة الزمنية فعشش في كل مكان وحاول بقدر المستطاع أن ينأى بنفسه عن تلكم الفتن ومؤامرات القصور وقد أفاض في وصف هذه الفتن و جو المكائد والمؤامرات، وفي العموم جاء ما رسمه أسامة بن منقذ بقلمه صورة بائسة للحياة السياسية في مصر في نهايات أيام الدولة الفاطمية. يقول :

انظُر إلى صَرفِ دهري كيف عوَّدَنِي
بعد المشيبِ سِوَى عاداتيَ الأُوَلِ

وفي تغايُرِ صَرْفِ الدهرِ معتبرٌ
وأي حالٍ على الأيامِ لم تَحُلِ

قد كنتُ مِسعَرَ حَرْبٍ كُلّما خَمَدَتْ
أذكيتُها باقتداحِ البيضِ في القُلَلِ

همِّي منازلةُ الأقرانِ أحسبُهم
فرائِسِي فهُمُ منِّي على وَجَلِ

أمضي على الهَولِ من ليلٍ وأهجمُ من
سيلٍ وأقدمُ في الهيجاءِ من أَجَلِ

فصرتُ كالغادةِ المكْسَالِ مضْجِعُهَا
على الحشَايَا وراءَ السِّجفِ والكِلَلِ

قد كدتُ أعفنُ من طولِ الثَّواءِ كما
يصدي المُهَنَّدَ طولُ الُّلبْثِفي الخَلَلِ

أروحُ بعد دُروعِ الحربِ في حُلَلٍ
من الدّبيقي فبؤْساً لي وللحُلَلِ

وما الرَّفاهةُ من رامِي ولا أرَبِي
ولا التَّنعّمُ من شاني ولا شُغُلِي

ولستُ أرضَى بُلوغَ المجدِ في رَفَهٍ
ولا العُلى دونَ حَطْمِ البيضِ والأسَلِ

ثم نشأت بينه وبين القائد صلاح الدين الأيوبي (532 - 589 هجرية - -1138 - 1193ميلادية ) صداقة قوية وجميعهم بلا شك من فرسان ذلك العصر وامرائهم .

ولما ملك السلطان صلاح الدين الايوبي دمشق دعى الامير اسامة بن منقذ اليه فأجابه حيث بعثه صلاح الدين الأيوبي كسفير إلى بلاد المغرب لطلب العون من الخليفة أبي يوسف يعقوب بن يوسف المنصور. وقد لقي ابن منقذ حفاوة وترحابا وتكريما من الخليفة يعقوب المنصور ومن أبرز معالم تلك الحفاوة أن الخليفة أعطى لابن منقذ لما مدحه بقصيدة تشتمل على أربعين بيتا ألف دينار لكل بيت وقال له:
إنما أعطيناك لفضلك ولبيتك يعني لا لأجل صلاح الدين -
من هذه القصيدة الابيات :
سأشكر بحرا ذا عباب قـطعته
إلى بحر جود ما لأخراه ساحل
إلى معدن التقوى، إلى كعبة الندى
إلى من سمت بالذكر منه الأوائل
إليك أمـير المؤمنـين ولم تـزل
إلى بابك المأمول تزجى الرواحل
قطعـت إليك البر والبحر موقنـا
بأن نداك الغمر بالنجح كافـل

في سفارته هذه وقيل اكثر من ذلك وكان قد بلغ من العمر الثمانين ولما بلغ التسعين من عمره انشد:

لما بلغتُ من الحياةِ إلى مَدَى
قد كنتُ أهواه تمنَّيْتُ الرَّدَى

لم يبْقِ طولُ العمرِ منِّى مُنَّةً
ألقى بها صَرْفَ الزمانِ إذا اعْتَدَى

ضَعُفت قوايَ وخانني الثِّقَتَانِ من
بصري وسمعي حين شارفتُ المَدَى

فإذا نهضتُ حسبتُ أنِّي حَاملٌ
جَبلاً وأمشي إن مشيتُ مُقَيَّدَا

وأدبُّ في كفِّي العصا وعهدتُها
في الحرب تحملُ أسمَراً ومُهنّدَا

وأبيتُ في لِينِ المِهَادِ مُسهّداً
قلقاً كأنَّنِيَ افترشْتُ الجَلمَدَا

والمرءُ يُنْكَسُ في الحياةِ وبينما
بلغَ الكمالَ وتمَّ عَاَد كما بَدَا

وقد عمّر ثلاث وتسعين سنة إلى أن توفي ليلة الثلاثاء الثالث والعشرين من رمضان سنة \ 584 هجرية / - 1188 ميلادية في دمشق ودفن شرقي جبل قاسيون .

قال العماد الكاتب في الخريدة بعد الثناء عليه:

(سكن دمشق ثم نبت به كما تنبو الدار بالكريم فانتقل إلى مصر فبقي بها مؤمراً مشاراً إليه بالتعظيم إلى أيام الصالح بن رزيك. ثم عاد إلى الشام وسكن دمشق، ثم رماه الزمان إلى حصن كيفا، فأقام به حتى ملك السلطان صلاح الدين - رحمه الله تعالى – دمشق فاستدعاه وهو شيخ قد جاوز الثمانين.)

وقال فيه ايضا :

( أسامة كإسمه في قوة نثره ونظمه يلوح من كلامه أمارة الإمارة ويؤسس بيت قريضه عمارة العبارة، نشر له علم العلم، ورقي سلم السلم، ولزم طريق السلامة وتنكب سبل الملالة والملامة، واشتغل بنفسه، ومجاورة أبناء جنسه، حلو المجالسة حالي المساجلة، ندي الندى بماء الفكاهة، عالي النجم في سماء النباهة، معتدل التصاريف، مطبوع التصانيف)

وقال فيه السمعاني:

( أسامة بن مرشد أمير فاضل غزير الفضل، وافر العقل، حسن التدبير، مليح التصانيف، عارف باللغة والأدب، مجود في صنعة الشعر، من بيت الإمارة والفروسية واللغة، سكن دمشق، لقيته بالفوار بظاهر دمشق بحوران، واجتمعت معه بدمشق عدة نوب، وكان مليح المجالسة حسن المحاورة.)

قال ابو القاسم علي بن الحسن الحافظ :

(أسامة بن مرشد الملقب بمؤيد الدولة له يد بيضاء في الأدب والكتابة والشعر، ذكر لي أنه ولد سنة ثمان وثمانين وأربعمائة، وقدم دمشق سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة، وخدم بها السلطان، وقرب منه وكان شجاعاً فارساً، ثم خرج إلى مصر، فأقام بها مدة ثم رجع إلى الشام، وسكن حماة، واجتمعت به بدمشق وأنشدني قصائد من شعره سنة ثمان وخمسين وخمسمائة.)

. عُني بالشعر والقتال منذ أول حياته وعرف بشاعريته الغزيرة وغلب على شعره : الفخر والغزل والوصف. وتميز بسلاسة في الأسلوب وبراعة التصوير ودقة الملاحظة وصدق الرواية وبلاغة القول .
يقول في الغزل:

نَفسِى الفداءُ لمن يُعاتُبِني
فأَسُدُّ فَاهُ العَذْبَ بالقُبَل

وأضُمُّه ضمَّ الشَّفيق، كما
ضَمَّت جُفونُ العينِ للمُقَل

فيحار من كلفي ويشرق في
خديه ورد الحسن والخجل

ويعود بعد العتب معتذراً
عُذرَ المُسِىء إلى َّ، من زلَلَى

اما كتاباته النثرية فقد تميزت بأسلوب قصصي رائع . كما تميز بالأمانة والصدق والتجرد من الهوى والتزام الحيادية في تسجيل الأحداث والوقائع ورؤيته لها وقد تمتع بحس فكاهي رائع واسلوب ساخر يحكي من خلاله مشاهداته وانطباعاته.

قضى أسامة آخر حياته في حصن كيفا منفياً فأقبل على التصنيف والتاليف والبحث فصنف كتبا عديدة بلغت 13 كتابا :
كتاب البديع في البديع
كتاب نقد للشعر
تاريخ القلاع والحصون
أزهار الأنهار
التاريخ البلدي
نصيحة الرعاة
التجائر المربحة والمساعي المنجحة
كتاب العصا
أخبار النساء
ديوان أسامة: ديوان قصائده
كتاب النوم والأحلام
كتاب المنازل والأديار
كتاب لباب الآداب
كتاب الاعتبار. كتاب فريد أملاه الأمير أُسَامة بن مُنقذ في أخريات أيامه في دمشق بعد أن تجاوز التسعين من العمر وقد ضعف جسده وخارت قواه ولحقه النسيان ففاتته بعض الاحداث لم يستطع ذكرها .

واختم هذا البحث- كعادتي- في هذه القصيدة الرائعة

أبي الله إلا أن يدين لنا الدهر
ويخدمنا في ملكنا العز والنصر

أبي الله إلا أن يكون لنا الأمر
لِتحيَا بنا الدُّنيا، ويفتخرَ العصرُ

وتخدُمَنا الأيّامُ فيما نَرُومُهُ
وينقادَ طوعاً في أزِمَّتنا الدّهرُ

وتخضع أعناق الملوك لعزنا
ويُرهِبَها منّا على بُعدنا الذِّكرُ

بحيثُ حَلْلنا الأمنُ من كلِّ حادثٍ
وفي سائر الآفاق من بأسنا ذعر

بطاعتِنا للّه أصبحَ طوعَنا الأ
نامُ، فما يُعصَى لنا فيهمُ أمرُ

فأيماننا في السلم سحب مواهب
وفي الحَربِ سُحبٌ وبْلُهنَّ دمٌ هَمرُ

قَضتْ في بني الدُّنيا قضاءَ زمانِها
فَسُرَّ بها شطرٌ، وسِىء بها شَطرُ

وما في ملوكِ المسلمينَ مُجاهدٌ
سوانا فما يثنيه حر ولا قر

جعلَنا الجهادَ همَّنا واشتغالَنا
ولم يلهنا عنه السماع ولا الخمر

دماء العدا أشهى من الراح عندنا
ووقع المواضي فيهم الناي والوتر

نُواصِلُهم وصلَ الحبيب وهم عِداً
زيارتُهم ينحطَ عنَّا بها الوزرُ

وثير حشايانا السروج وقمصنا الد
روع ومنصوب الخيام لنا قصر

ترى الأرض مثل الأفق وهي نجومه
وإن حسدتها عزها الأنجم الزهر

وهمُّ الملوكِ البيضُ والسُّمُر كالدُّمَى
وهمتنا البيض الصوارم والسمر

صوارمنا حمر المضارب من دم
قوائِمُها من جُودنا نَضرة ٌ خُضرُ

نسيرُ إلى الأعداءِ والطّيرُ فوقَنا
لهَا القوتُ من أعدائِنَا، ولنا النَّصرُ

فبأس يذوب الصخر من حر ناره
ولُطفٌ له بالماءِ ينبجسُ الصَّخرُ

وجيش إذا لاقى العدو ظننتهم
أسود الشرى عنت لها الأدم والعفر

تَرى كلَّ شَهمٍ في الوغَى مثلَ سَهْمِه
نفوذاً فما يثنيه خوف ولا كثر

هم الأسد من بيض الصوارم والقنا
لهُم في الوغَى النّابُ الحديدة ُ والظُّفرُ

يرَوْن لهم في القتلِ خُلداً، فكيف باللـ
ـقاءِ لقومٍ قتلهُم عندهم عُمْرُ

إذا نُسبوا كانُوا جميعاً بني أَبٍ
فطعنهم شزر وضربهم هبر

يظنُّون أنّ الكفرَ عصيانُ أمرِنَا
فما عندهم يوماً لإنعامنا كفر

لَنَا مِنهمُ إقدامُهُم وولاؤُهمْ
ومنَّا لهم إكرامُم والنَّدى الغَمرُ

بِنا أُيِّد الإسلامُ، وازدادَ عزّة ً
وذل لنا من بعد عزته الكفر

قتلنَا البِرنْسَ، حِينَ سارَ بجهله
تَحفُّ به الفُرسانُ والعَسكر المجرُ

ولم يَبق إلاَّ مَن أَسْرنا، وكيفَ بالبـ
ـقَاءِ لمن أخْنَتْ عليه الظُّبا البُترُ

وفي سجننا ابن الفنش خير ملوكهم
وإن لم يكن خير لديهم ولا بر

كأفعالِنَا في أرضِ من حانَ منهُمُ
وقد قُتِلت فرسانُه فهمُ جُزر

وسلْ عنهُم الوادِي بإقلِيس إنَّه
إلى اليومِ فيه من دمائِهمُ غُدرُ

هم انتَشروا فيه لردّ رَعِيلنا
فمن تربه يوم المعاد لهم نشر

ونحنُ أسرنا الجوسَلِين ولم يكُن
ليخْشَى من الأيَّامِ نائِبة ً تَعْرُو

وكان يظن الغر أنا نبيعه
بمَالٍ، وكم ظَنٍّ به يهِلُك الغِرُّ

فلما استبحنا ملكه وبلاده
ولم يبَق مالٌ يُستباحُ ولا ثَغْرُ

كَحلناهُ، نبغى الأجرَ في فِعلِنا بهِ
وفي مثلِ ما قَد نَالَه يُحرز الأجرُ

ونحن كسرنا البغدوين وما لمن
كَسرنَاه إبلالٌ يُرجَّى ولا جَبْرُ

وقد ضاقت الدنيا عليه برحبها
فلم ينجه بر ولم يحمه بحر

أفى غدره بالخيل بعد يمينه
بإنجيلِه بين الأَنامِ له عُذْرُ

دعته إلى نكث اليمين وغدره
بذمَّتِه النَّفسُ الخسيسة ُ والمكْرُ

وقد كانَ لونُ الخيل شتَّى فأصبحَت
تُعادُ إلينَا، وهي من دَمهِم شُقْرُ

توهَّم عجزاً حِلمَنا وأناتَنَا
وما العجز إلا ما أتى الجاهل الغمر

فلما تمادى غيه وضلاله
ولم يثنه عن جهله النهي والزجر

برزْنَا له كالليِثْ فَارقَ غِيلَه
وعادَتُه كسرُ الفرائس والهَصْرُ

وسِرنا إليه حين هابَ لقاءَنا
وبان له من بأسنا البؤس والشر

فولّى يُبارى عائراتِ سِهَامِنَا
وفي سمعه من وقع أسيافنا وقر

وخلَّى لنا فُرسانَه وحُماتَه
فشطر له قتل وشطر له أسر

وما تنثني عنه أعنة خيلنا
ولو طار في أفق السماء به النسر

إلى أن يزور الجوسلين مساهماً
له في دياج ما لليلتها فجر

ونرتَجِعَ القدسَ المُطهَّر مِنهُم
ويتلى بإذن الله في الصخرة الذكر

إذا استَغْلقتْ شمُّ الحصونِ فعندنَا
مَفاتحُها: بيضٌ، مضاربُها حُمرُ

وإنْ بلدٌ عزَّ الملوكَ مَرامُه
ورُمناهُ، ذلَّ الصّعبُ واستُسهِلَ الوعرُ

وأضحى عليه للسهام وللظبا
ووقع المذاكي الرعد والبرق والقطر

بنَا استَرجَع اللْهُ البلادَ وأمَّن العـ
ـبادَ، فلا خَوفٌ عليهم ولا قَهرُ

فتَحنا الرُّهَا حين استباحَ عداتُنا
حماها وسنى ملكها لهم الختر

جعلْنَا طُلى الفُرسان أغمادَ بِيِضنا
وملَّكنَا أبكارَها الفتكة ُ البكر

وتلُّ عِزَازٍ، صبّحتهُ جُيوشُنَا
وقد عجزت عنه الأكاسرة الغر

أتَى ساكنُوها بِالمفاتيحِ طاعَة ً
إلينا ومسراهم إلى بابنا شهر

وما كلُّ مَلْكٍ قادِرٍ ذو مَهابة ٍ
ولا كل ساع يستتب له الأمر

ومِلْنا إلى بُرج الرَّصاصِ وإنَّه
لكاسد لكن الرصاص له قطر

وأضحت لأنطاكية حارم شجى ً
وفيها لهَا والسَّاكِنينَ بها حَصرُ

وحصن كفر لاتا وهاب تدانيا
لَنَا، وذُراها للأَنُوقِ به وَكرُ

وفي حِصن باسُوطَا وقَورَصَ ذَلَّتِ الصّـ
ـعابُ لنا، والنّصرُ يقدمُهُ الصبرُ

وفامية والبارة استنقذتهما
لنا همَّة ٌ من دونها الفَرعُ والغَفرُ

وحصن بسرفود وأنب سهلت
لنَا، واستحالَ العُسرُ، وهو لنَا يُسرُ

وفي تل عمار وفي تل خالد
وفي حِصْن سلقينٍ لمملَكة ٍ قصرُ

وما مثل راوندان حصن وإنه
لمَمتنعٌ، لو لم يسهل له القَسرُ

وكم مثلِ هذا من قلاعٍ ومن قرًى
ومُزدَرَعَاتٍ لا يحيطُ بها الحصرُ

فلما استعدناها من الكفر عنوة ً
ولم يَبقَ في أقطارِهَا لهمُ أَثْرُ

رددنا على أهل الشآم رباعهم
وأملاكَهُم، فانزاحَ عنهم بها الفَقرُ

وجاءتهم من بعد يأس وفاقة
وقد مسَّهُم من فقدها البؤْسُ والضُّرُّ

ومرَ عليها الدَّهرُ، والكُفرُ حاكِمٌ
عليها، وعمرٌ مرَّ من بعدِه عُمْرُ

فنالهُم من عَوْدِها الخيرُ والغنَى
كما نالنا من ردها الأجر والشكر

ونحنُ وضعنا المكْسَ عن كلِّ بلدة ٍ
فأصبح مسروراً بمتجره السفر

وأصبحت الآفاق من عدلنا حمى ً
فكُدر قَطاها لا يُروّعها صَقرُ

فكيف تُسامِينَا الملوكُ إلى العُلا
وعزمهم سر ووقعاتنا جهر

وإن وَعدُوا بالغزوِ نَظماً، فهذه
رؤوس أعاديهم بأسيافنا نثر

سنلقى العدا عنهم ببيض صقالها
هداياهم والبتر يرهفها البتر

ملكنا الذي لم تَحوِهِ كفُّ مالِكٍ
ولم يَعرُنَا تِيهُ الملوكِ ولا الكبرُ

فنحن ملوك البأس والجود سوقة التـ
ـواضع لا بذخ لدينا ولا فخر

عزَفنا عنِ الدُّنيا، على وجدِهَا بِنَا
فمنها لنا وصلٌ، ومنّا لها هَجرُ

وأحسن شيء في الد نا زهد قادر
عليها فما يصبيه ملك ولا وفر

ولولا سؤال الله عن خلقه الذي
رعيناهم حفظاً إذا ضمنا الحشر

لمَلْنَا عن الُّدنيا، وقِلنا لها: اغربي
لك الهجر منا ما تمادى بنا العمر

فما خير ملك أنت عنه محاسب
ومملكة ٍ، من بعدها الموتُ والقبرُ

فقل لملوك الأرض: ما الفخر في الذي
تعدونه من فعلكم بل كذا الفخر

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://falih.ahlamontada.net

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى