اسلام سيفلايزيشن -السيد فالح آل الحجية الكيلاني

الحضارة الاسلامية باشراف المهندس خالدصبحي الكيلاني والباحث جمال الدين فالح الكيلاني


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الامام الشافعي -- بقلم د. فالح الحجية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الامام الشافعي -- بقلم د. فالح الحجية في الإثنين سبتمبر 08, 2014 2:52 am





الامام الشافعي


هو أبو عبد الله محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب بن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف بن قصي بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر و والنضر هو قريش بن كنانة ..الشافعيّ القرشيّ . يلتقي نسبه بنسب الحبيب المصطفى محمدٍ صلى الله عليه وسلم في عبد مناف بن قصي القرشي.

اما امه فهي فاطمة بنت عبد الله الأزدي فهي من قبيلة الازد العربية المعروفة من اليمن كما روي عنه
وهناك رواية اخرى تقول ان امه هي فاطمة بنت عبد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب كرم الله وجهه

ولد الشافعي في مدينة غزة من فلسطين سنة \150 هجرية وهي السنة التي توفي فيها العالم الجليل ابو حنيفة النعمان وقيل انه ولد في نفس اليوم الذي مات فيه ابو حنيفة .
وقيل في رواية اخرى انه ولد بمدينة عسقلان من فلسطين والحقيقة ان عسقلان كانت مدينة صغيرة وقريبة من غزة فهي تابعة لها .

بعد ولادته بعامين مات ابوه فعادت به امه الى الحجاز ودخلت به على قومها الازد وهم من اهل اليمن كانوا قد سكنوا الحجاز. فلما بلغ عشر سنين خافت عليه ان ينسى نسبه الشريف او يضيع فحولته الى مكة المكرمة حفاظا على نسبه ، وذلك ليقيمَ بين ذويه، ويتثقفَ بثقافتهم، ويعيشَ بينهم ويكونَ واحدا منهم.

عاش في مكة المكرمة فقيرا يتيما لا تملك امه شيئا لتعطيه الى من يعلمه . و كانت أمه قد وجَّهته لأتقان القراءة والكتابة وتلاوة القرآن الكريم وتفسيره على ايدي شيوخ المسجد الحرام ولم يكد يبلغ الثالثة عشرة من عمره حتى أتقن كل ذلك إتقاناً جيداً وممتازا.

اتجه الشافعي إلى علم الحديث فلزم حلقة سفيان بن عيينة ومسلم بن خالد الزنجي في المسجد الحرام. وكان الورق غالي الثمن باهظ التكاليف والشافعي وأمه في حالة ضعف وفـقـر فكان يُروى أنه كان يبحث عن العظام العريضة ليكتب عليها أو يذهب إلى الديوان فيجمع الأوراق المهملة التي يلقى بها في سلال المهملات فيجمعها ثم يستوهبها ويكتب على ظهرها غيرالمكتوب و هذه المعاناة الشديدة قد الزمته ووفقته إلاعتماد على نفسه في الحفظ فكان يحفظ ما يدرسه على ظهر غيبه فتكوَّنت لديه حافظة قوية ساعدته مستقبلاً على حفظ كل ما يسمعه وما يُلقى إليه من علوم ومعرفة .

وروي عنه أنه قال :
( كنت يتيماً في حجر أمي ولم يكن معها ما تعطي المعلم وكان المعلم قد رضي من أمي أن أخلفه إذا قام، فلما ختمت القرآن دخلت المسجد وكنت أجالس العلماء، فأحفظ الحديث أو المسألة، وكان منزلنا بمكة في شِعب الخَيْف، فكنت أنظر إلى العظم فأكتب فيه الحديث أو المسألة، وكانت لنا جرة عظيمة، إذا امتلأ العظم طرحته في الجرة )

: وفي رواية اخرى يقول
( لم يكن لي مال فكنت أطلب العلم في الحداثة، أذهب إلى الديوان أستوهب منهم الظهور وأكتب فيها)
وقال:
( طلبت هذا الأمر عن خفة ذات اليد، كنت أجالس الناس وأتحفظ، ثم اشتهيت أن أدون، وكان منزلنا بمكة بقرب شِعب الخَيْف، فكنت آخذ العظام والأكتاف فأكتب فيها، حتى امتلأ في دارنا من ذلك حبان .)

اتجه الشافعي بعد ان حفظ القرآن الكريم والأحاديث النبوية إلى التفصِّح في اللغة العربية فخرج في سبيل ذلك إلى البادية ولازم قبيلة هذيل .
وقال في ذلك :
(خرجت عن مكة، فلازمت هذيلاً بالبادية أتعلم كلامها، وآخذ طبعها، وكانت أفصح العرب، أرحل برحيلهم، وأنزل بنزولهم، فلما رجعت إلى مكة جعلت أنشد الأشعار، وأذكر الآداب والأخبار)

ومما يذكر انه بلغ درجة من حفظه لأشعار الهذيليين وأخبارهم أن الأصمعي الذي كان علم من اعلام اللغة العربية قال فيه :
(صححت أشعار هذيل على فتى من قريش يقال له محمد بن إدريس)

فالقبيلة التي ضوى إليها الشافعي هي هذيل، وهم يوصفون بأنهم أفصحُ العرب،وفي ذلك قال مصعب بن عبد الله الزبيري :
- قرأ علي الشافعي أشعار هذيل حفظاً ثم قال لي: (لا تخبر بهذا أهل الحديث فإنهم لا يحتملون هذا )
وقال مصعب :
( وكان الشافعي يسمر مع أبي من أول الليل حتى الصباح ولا ينامان وكان الشافعي في ابتداء أمره يطلب الشعر، وأيام الناس، والأدب، ثم أخذ في الفقه بعد)
وقال ايضا: وكان سبب أخذه أنه كان يسير يوماً على دابة له وخلْفه كاتبٌ لأبي، فتمثل الشافعي ببيت شعر فقرعه كاتبُ أبي بسوطه ثم قال له :
مثلك يذهب بمروءته في مثل هذا، أين أنت من الفقه؟، )
فهزه ذلك فقصد مجالسة الزنجي بن خالد مفتي مكة، ثم قدم علينا فلزم مالك بن أنس رحمَه الله .)

لما انتشر اسم إمام المدينة مالك بن أنس في الآفاق، وتناقلته الركبان، وبلغ من العلم والحديث منزلة عظيمة رغب الشافعي في الهجرة إلى المدينة المنورة لطلب العلم والتتلمذ على يد مالك بن انس شيخ المدينة وامامها في العلم وقد روي عنه أنه قال:

(فارقت مكة وأنا ابن أربع عشرة سنة، لا نبات بعارضي من الأبطح إلى ذي طوى، فرأيت ركباً فحملني شيخ منهم إلى المدينة، فختمت من مكة إلى المدينة ست عشرة ختمة، ودخلت المدينة يوم الثامن بعد صلاة العصر، فصليت العصر في مسجد رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولذت بقبره، فرأيت مالك بن أنس رحمه الله متزراً ببردة متشحاً بأخرى و يقول: (حدثني نافع عن ابن عمر عن صاحب هذا القبر ) يضرب بيده قبر رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم فلما رأيت ذلك هبته الهيبة العظيمة )
فلما مثلت بين يديه قال لي :
(محمد بن إدريس الشافعي يا محمدٌ اتق الله، واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن، إن الله قد ألقى على قلبك نوراً فلا تطفئه بالمعصية )
ثم قال له: ( إذا ما جاء الغد تجيء ويجيء من يقرأ لك . )
ويقول الشافعي:
(فغدوت عليه وابتدأت أن أقرأ ظاهراً، والكتاب في يدي، فكلما تهيبت مالكاً وأردت أن أقطع، أعجبه حسن قراءتي واعرابي فيقول
( يا فتى زد )
( حتى قرأته عليه في أيام يسيرة
و روي عنه أنه قال :
له: قدمت على مالكٍ وقد حفظت الموطأ ظاهراً فقلت )
( إني أريد أن أسمع الموطأ منك
فقال: اطلب من يقرأ لك.
: وكررت عليه فقلت
- ( لا، عليك أن تسمع قراءتي، فإن سهل عليك قرأت لنفسي )
( قال: (اطلب من يقرأ لك
وكررت عليه، فقال: اقرأ
فلما سمع قراءتي قال :
(اقرأ )
فقرأت عليه حتى فرغت منه

عاد الشافعي الى مكة المكرمة بعد ان تخرج على يد استاذه ومعلمه امام المدنية المنورة مالك بن انس بعد ان حفظ كل ما القي اليه وما سمعه من علم ومعرفة .

اتجه الشافعي الى اليمن صحبة واليها عندما قدم الى الحجاز فاشار اليه الناس ان يصحب الشافعي معه فهو عالم فاضل فنزل في نجران وقيل ان هذا الوالي كان ظالما ولا يحق الحق فكان الشافعي ينصحه ويرشده و ينقده ويدعوه الى اقامة العدل بين الرعية فشكاه الوالي الى الخليفة هارون الرشيد ووشى به واتهمه انه كان يحرض الناس على الثورة ضد الخليفة . فامر الخليفة باحضاره فاحضره الوالي مكبلا بالحديد بتهمة خيانة الدولة . فلما وصل بغداد ا دخل الشافعي على الخليفة وهو ثابت الفؤاد ينتظر الحكم عليه وهو يردد في نفسه:
- ياالله يا لطيف ... أسألك اللطف فيما جرت به المقادير
فلما مثل بين يديه دارت بينهم المناظرة التالية

قال الشافعي للخليفة الرشيد:
السلام عليك يا أمير المؤمنين و بركاته دون أن يلفظ و رحمة الله
فردَّ عليه الرشيد: وعليك السلام ورحمة الله و بركاته
ثم أضاف فقال: بدأت بسنَّة لم تؤمر بإقامتها ، ورددنا عليك فريضة قامت بذاتها ومن العجب أن تتكلم في مجلسي بغير أمري أو إذني.
فقال الشافعي: إنَّ الله تعالى قال: (وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنا ) ، وهو الذي إذا وعد وفَّى، فقد مكَّنك في أرضه و أمَّنني بعد خوفي ... حيث رددت عليَّ السلام بقولك وعليك رحمة الله فقد شملتني رحمة الله بفضلك.
فقال الرشيد: وما عذرك بعد أن ظهر أنَّ صاحبك - يعني الثائر العَلَوي - طغى علينا وبغى واتَّبعه الأرذلون وكنتَ أنت الرئيس عليهم؟
فقال الشافعي: أما و قد استنطقتني يا أمير المؤمنين فسأتكلم بالعدل والإنصاف ولكن الكلام مع ثقل الحديد صعب، فإن جُدتَ عليّ بفكه أفصحتُ عن نفسي وإن كانت الأخرى فيدك العليا ويدي السفلى والله غني حميد.
فأمَر الرشيد بفك الحديد عنه وأجلسه،
فقال الشافعي: حاشا الله أن أكون ذلك الرجل، ولكن قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا} لقد أفِك المبَلِّغ فيما بلَّغك. وإنَّ لي حرمة الإسلام وذمة النسب و كفى بهما وسيلة وما أنا بطالبيّ ولا عَلَوي و إنما أُدخِلتُ في القوم بغياً عليّ. أنا محمد بن إدريس، وأنا طالب علم. فقال الرشيد: أنت محمد بن إدريس؟
قال: نعم ،
ثم التفت الخليفة إلى محمد بن الحسن الشيباني وسأله:
يا محمد ما يقول هذا؟ أهو كما يقول
قال محمد بن الحسن: إنَّ له من العلم شأناً كبيراً وليس الذي زعم عليه من شأنه (معلوم أنه بين العلماء المخلصين نسب أقوى من الرحم). وكأنَّ الله تعالى وضع هذه المحنة التي انزلق فيها الشافعي من أجل أن يعيده عز وجل من عمل الدنيا إلى عمل الآخرة وهذا واضح جداً و عسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم و لكن هذه الحقيقة لا تظهر إلا آخراً عندما يكون الإنسان في طور المفاخرة وأمّا في طور الحكم الإلهي فيكون كالغائص في جوف البحر لا يعلم إلا من وثق بعلم الله سلفاً .
وكان قدوم الشافعي الى بغداد سنة 184 هـجرية وهو في الرابعة والثلاثين من عمره .
أخذ الشافعي يدرس فقه العراقيين وبذلك اجتمع له فقه الحجاز وفقه العراق و ا جتمع له الفقه الذي يغلب عليه النقل، والفقه الذي يغلب عليه العقل، وتخرج بذلك على كبار الفقهاء في زمانه .

ولم يطب له المقام في بغداد فعاد الى مكة المكرمة واخذ يلقي دروسه في الحرم المكي والتقى به أكبر العلماء في موسم الحج، واستمعوا إليه، وفي هذا الوقت التقى به أحمد بن حنبل، وقد أخذت شخصية الشافعي تظهر بفقه جديد لا هو فقهُ أهلِ المدينةِ وحدَهم ولا فقهَ أهلِ العراقِ وحدَهم، بل هو مزيج منهما وخلاصةُ عقل الشافعي الذي أنضجه علم الكتاب والسنة وعلمُ العربية وأخبار الناس والقياس والرأي، ولذلك كان من يلتقي به من العلماء يرى فيه عالماً هو نسيجٌ وحدَه.
وقال في بغداد في مسالة :

تعصي الإله وأنت تظهر حبه
هذا محال في القياس بديعُ
لو كان حبك صادقاً لأطعته
إن المحب لمن يحب مطيعُ
في كل يوم يبتديك بنعمة
منه وأنت لشكر ذاك مضيعُ

أقام الشافعي بمكة المكرمة هذه المرة مدة تسع سنوات ثم عاد الى بغداد ثانية سنة \ 195 هجرية وبقي فيها قرابة السنتين او اكثر ولما اراد السفر الى مصر قال :

لقد أصبحتْ نفسي تتوق إلى مصرِ
ومن دونها قطعُ المهامةِ والفقرِ
فواللـه ما أدري، الفوزُ والغنى
أُساق إليها أم أُساق إلى القبرِ

ثم شد رحاله الى مصر فوصلها في عام 198 هجرية وقيل 199 هجرية وبقي فيها خمي سنين اشتد به المرض اذ اصيب بمرض البواسير الذي توفى به

توفي الشافعي ليلة الجمعة، بعد العشاء الآخرة بعدما صلى المغرب آخر يوم من رجب، ودفن في صباح يوم الجمعة سنة 204 هجرية - 220 ميلادية .

و قال فيه ابن حجر العسقلاني :

(انتهت رياسة الفقه في المدينة إلى مالك بن أنس، فرحل إليه ولازمه وأخذ عنه، وانتهت رياسة الفقه في العراق إلى أبي حنيفة، فأخذ عن صاحبه محمد بن الحسن حملاً، ليس فيه شيء إلا وقد سمعه عليه، فاجتمع علم أهل الرأي وعلم أهل الحديث، فتصرف في ذلك حتى أصَّل الأصول، وقعَّد القواعد، وأذعن له الموافق والمخالف، واشتهر أمره، وعلا ذكره، وارتفع قدره حتى صار منه ما صار).

الامام الشافعي احد علماء الدين واحد اصحاب المذاهب الاربعة في الاسلام واحد علماء العربية واحد شعرائها الا ان اغلب شعره يتسم بمسحة دينية اجتماعية ويتميز شعره السلاسة والسهولة اللغوية وتغلب عليه الامثلة والموعظة لذا انتشر على السنة الناس ولايزالون يرددون اقواله ويستشهدون بها يقول :

تعمدني بنصحك في انفرادي
وجنبني النصيحة في الجماعة
فإن النصح بين الناس نوع
من التوبيخ لا أرضى استماعه
وإن خالفتني وعصيت قولي
فلا تجزع إذا لم تعط طاعه

ويقول متفاخرا:

ولولا الشعر بالعلماء يزري
لكنت اليوم أشعر من لبيد

وأشجع في الوغى من كل ليث
وآل مهلب وبني يزيد

ولولا خشية الرحمن ربي
حسبت الناس كلهم عبيدي

ويقول الشافعي في فضل السكــوت:

وجدت سكوتي متجرا فلزمته
إذا لم أجد ربحا فلست بخاسر
وما الصمت إلا في الرجال متاجر
وتاجره يعلو على كل تاجر

ويقول في القناعة :

رأيت القناعة رأس الغنى
فصرت بأذيالها متمسك

فلا ذا يراني على بابه
ولا ذا يراني به منهمك

فصرت غنيا بلا درهم
أمر على الناس شبه الملك

ويقول ايضا :

يريد المرء أن يعطى مناه
ويأبى الله إلا ما أراد ا

يقول المرء فائدتي ومالي
وتقوى الله أفضل ما استفادا


ويقول الإمام الشافعي في الدنيا :

يا من يعانق دنيا لا بقاء لها
يمسي ويصبح في دنياه سافرا

هلا تركت لذي الدنيا معانقة
حتى تعانق في الفردوس أبكارا

إن كنت تبغي جنان الخلد تسكنها
فينبغي لك أن لا تأمن النارا

وفي مخاطبــة السفيــه يقول:

يخاطبني السفيه بكل قبح
فأكره أن أكون له مجيبا

يزيد سفاهة فأزيد حلما
كعود زاده الإحراق طيبا

ويقول في المال :

وأنطقت الدراهم بعد صمت
أناسا بعدما كانوا سكوتا

فما عطفوا على أحد بفضل
ولا عرفوا لمكرمة ثبوتا

من أجمل ما كتب الشافعي في الحكمة :

دع الأيام تفعل ما تشاء
وطب نفسا إذا حكم القضاء

ولا تجزع لحادثة الليالي
فما لحوادث الدنيا بقاء

وكن رجلا على الأهوال جلدا
وشيمتك السماحة والوفاء

وإن كثرت عيوبك في البرايا
وسرك أن يكون لها غطاء

تستر بالسخاء فكل عيب
يغطيه كما قيل السخاء

ولا تر للأعادي قط ذلا
فإن شماتة الأعدا بلاء


فما في النار للظمآن ماء

ورزقك ليس ينقصه التأني
وليس يزيد في الرزق العناء

ولا حزن يدوم ولا سرور
ولا بؤس عليك ولا رخاء

إذا ما كنت ذا قلب قنوع
فأنت ومالك الدنيا سواء

ومن نزلت بساحته المنايا
فلا أرض تقيه ولا سماء

وأرض الله واسعة ولكن
إذا نزل القضا ضاق الفضاء

دع الأيام تغدر كل حين
فما يغني عن الموت الدواء

واخيرا تذكر انه دخل المزنيَّ على الشافعي وهو في مرضه الذي مات فيه فقال له:
- كيف أصبحت يا أستاذ؟
فاجابه بقوله :
( أصبحت من الدنيا راحلاً، ولإخواني مفارقاً، ولكأس المنية شارباً، وعلى الله وارداً، ولسوء عملي ملاقياً

ثم رمى بطرفه إلى السماء واستبشر وأنشد :

إليك إلـهَ الخلـق أرفــع رغبتي
وإن كنتُ يا ذا المن والجود مجرماً

ولما قسـا قلبي وضـاقت مذاهبي
جعلت الرجـا مني لعفوك سُلَّمــاً

تعاظمنـي ذنبـي فلمـا قرنتــه
بعفوك ربي كان عـفوك أعظمــا

فما زلتَ ذا عفوٍ عن الذنب لم تزلْ
تـجـود وتعـفو منةً وتكرُّمـــاً

فلولاك لـم يصمِـد لإبلـيسَ عابدٌ
فكيف وقد أغوى صفيَّك آدمـــاً

فياليت شعــري هل أصير لجنَّةٍ
أهنـــا وأمـا للسعير فأندمــا

فلله دَرُّ العـــارفِ الـنـدبِ إنه
تفيض لفرط الوجد أجفانُه دمـــاً

يقيـم إذا مـا الليلُ مدَّ ظلامَــه
على نفسه من شدة الخوف مأتمـاً

فصيحاً إذا ما كـان في ذكـر ربه
وفيما سِواه في الورى كان أعجمـاً

ويذكر أيامـاً مضـت من شبابـه
وما كان فيها بالجهـالة أجرمـــا

فصار قرينَ الهم طولَ نهـــاره
أخا السُّهْد والنجوى إذا الليلُ أظلمـا

يقول: حبيبي أنـت سؤلي وبغيتي
كفى بك للراجـيـن سؤلاً ومغنمـاً

ألـستَ الذي غذيتني وهــديتني
ولا زلت منَّـانـاً عليّ ومُنعـمــاً

عسى من لـه الإحسانُ يغفر زلتي
ويستر أوزاري ومـا قـد تقدمــا

تعاظمني ذنبـي فأقبلت خاشعــاً
ولولا الرضـا ما كنتَ يارب منعمـاً

فإن تعفُ عني تعفُ عـن متمرد
ظلوم غشــوم لا يـزايـل مأتمـاً

فإن تنتـقـم مني فلست بآيـسٍ
ولو أدخلوا نفسي بجــرمٍ جهنمـاً

فجرمي عظيمٌ من قديم وحــادث
وعفوُك يأتي العبدَ أعلى وأجسمــا

حوالَيَّ فضلُ الله من كل جانـب
ونورٌ من الرحمن يفترش السمــا

وفي القلب إشراقُ المحب بوصله
إذا قارب البـشرى وجاز إلى الحمى

حوالَيَّ إينــاسٌ من الله وحـده
يطالعني في ظلـمـة القبر أنجُمــاً

أصون ودادي أن يدنِّسَـه الهوى
وأحفظ عـهدَ الـحب أن يتثلَّمــا

ففي يقظتي شوقٌ وفي غفوتي مُنى
تلاحـق خـطوي نـشوةً وترنُّمـاً

ومن يعتصم بالله يسلمْ من الورى
ومن يرجُهُ هـيهات أن يتندمـــا

امير البيان العربي
د . فالح نصيف الحجية الكيلاني
العراق - ديالى - بلدر روز



*************************







معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://falih.ahlamontada.net

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى