اسلام سيفلايزيشن -السيد فالح آل الحجية الكيلاني

الحضارة الاسلامية باشراف المهندس خالدصبحي الكيلاني والباحث جمال الدين فالح الكيلاني


أهلا وسهلا بك زائرنا الكريم, أنت لم تقم بتسجيل الدخول بعد! يشرفنا أن تقوم بالدخول أو التسجيل إذا رغبت بالمشاركة في المنتدى

الخليل الفراهيدي بقلم -فالح الحجية

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

1 الخليل الفراهيدي بقلم -فالح الحجية في الخميس فبراير 13, 2014 2:15 am







الخليل الفراهيدي


هو ابو عبد الرحمن الخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي الأزدي .

ولد في مدينة البصرة عام \100 للهجرة -718 ميلادية من عائلة فقيرة معدمة لاتملك بيتا .وقيل كان ا شعث الرأس شاحب اللون قشف الهيئة متمزق الثياب متقطع القدمين مغمورا في الناس لايُعرف. فتعلم العلوم فيها : تلقى العلم على يد علماءها مثل أبو عمرو بن العلاء وعيسى بن عمر الثقفي وغيرهما. وكانت البصرة حاضرة من حواضر في الثقافة والعلم والادب .

وكان حاد القلب خارق الذكاء حاضر الفكر شديد الجرأة منذ نعومة أظفاره فقد قيل إنَّ الشاعر الفرزدق كان مارًّا بإحدى طرق البصرة وكان الصبية يلعبون بها وما إن مرَّ بهم الفرزدق فوق بغلته حتى أخذوا يرمقونه بأعينهم ويبدو أنَّ دمامة خلقه حفزت أنظارهم فانبهروا فأراد أن يخوِّفهم فقال:

نظروا إليك بأعين محمّرة
نظر التيوس إلى مُدى القصَّاب

وضغط على كلمة مُدى وكأنـَّه يريد ترويعهم فتفرَّق الصبية مذعورين من حوله خائفين منه إلاَّ صبيا واحدا بقي واقفا يتحداه قائلاً له :
(نظرنا إليك كما ينظر إلى القرد لأنَّك مليح )

فتضاحك الصبية وخاف الفرزدق أن يصل خبر هذه الحادثة إلى أسماع جرير فيجعلها في إحدى نقائضه وفضّل الانصراف. وهذا الصبي هو الخليل ابن احمد
والخبر هذا يقودنا لذكاء وعبقرية الخليل منذ صباه وهي مفتاح هذه الشخصية العظيمة التي دلَّ ما تركته من علم وإبداع وما اشتهر به من ورع وتقوى وانقطاع إلى العلم وعبقرية نادرة .

وفي رواية اخرى قيل أنـَّه ولد في عُمان وذلك ما تذهب إليه المصادر العُمانية من أنـَّه من أهل (ودام) من الباطنة وخرج الى البصرة صغيرا مع والديه فأقام بها ونسب إليها. ويؤيِّد هذا الراي ما ذهب إليه بعض المؤرخين ومنهم صاحب نور القبس حيث يقول:

(كان من أهل عُمان من قرية من قراها وهو عربيّ صليبة وأزدي من حي يقال له الفراهيد وكانت الخارجية رأي قومه – أي ينسب الى الخوارج - وقد انتقل مع أهله صغيراً وسكن في ظاهر البصرة حيث شبَّ وترعرع وتعلَّم إلى أن مات ومن المؤكَّد أنَّ جماعات كثيرة من قبائل الأزد خرجوا إلى مدينة البصرة واستوطنوا فيها بعد أن خصَّص لهم عمر رضي الله عنه حيًّا خاصًّا بهم وقد شاركوا في الفتوحات الإسلامية.)

أنَّ قبيلة الأزد التي تنتمي إليها قبيلة الفراهيد كانت قد سيطرت منذ زمن بعيد في البصرة فطبّعوا البصرة بطابعهم حتى قيل ( بصرة الأزد ) تعبيرا عن انتشارهم بها وكثرتهم فيها وغلبتهم عليها وتأثيرهم في حياتها الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. إلاَّ أنـَّه كان يعيش من بستان خلَّفه له أبوه في منطقة (الخـُريبة) وكان لبني بكر وأهل العالية ولبني تميم دساكر في الخريبة مما يدلل أنَّ الخريبة كانت منطقة بساتين ولم يكن يعيش بمحلة الازد مع عشيرته .

تلقى العلم على يديه العديد من العلماء الذين أصبح لهم شأن عظيم في اللغة منهم سيبويه والأصمعي والكسائي والنضر بن شميل وهارون بن موسى النحوي ووهب بن جرير وعلي بن نصر الجهضمي وغيرهم .

وحدّث عن أيوب السختياني وعاصم الأحول والعوام بن حوشب وغالب القطان وعبد الله بن أبي إسحاق الحضرمي وغيرهم
.
رغم علمه الغزير وتلك العقلية الخلاقة المبتكرة المتجاوزة حدود الزمان والمكان ظل الفراهيدي زاهداً ورعاً واسع العلم فلا يوجد عالم لغوي مثله .

اتفق المؤرخون على نبل أخلاق وسماحة روح الخليل بن احمد فصار حقا ابن الأمة العربية الذي أثر فيها فكراً وسلوكًا وخلقاً وعلما و معرفة وادبا ودينا . فرغم غزارة علمه تميَّز الفراهيدي على سابقيه ولاحقيه وتفرد من بين أترابه ومعاصريه.

كان الخليل زاهداً ورعاً وقد نقل ابن خلكان عن تلميذ الخليل النضر بن شميل قوله:

(أقام الخليل في خص له بالبصرة لا يقدر على فلسين وتلامذته يكسبون بعلمه الأموال).

لكن سفيان بن عيينة يقول فيه :

( من أحب أن ينظر إلى رجلٍ خلق من الذهب والمسك فلينظر إلى الخليل بن أحمد )

وكان زاهدا في الحياة لا يحب المال ويزهد فيه ومن زهده أنه كان قد ابتعد عن التزلُّف لرجال الدولة والوجاهة فلم يقف عند أبوابهم متملِّقاً يرجو عطاءهم أو مادحا لهم وكان وكثيراً ما ردَّ هم او رسلهم اليه بعزة نفس واباء ذاته و ما كانوا يعرضونه عليه من عروض مغرية.

قيل أنَّ سليمان بن علي والي المنصور العباسي على فارس والأحواز طلب منه أن يتولَّى تعليم أولاده وبعث إليه هدايا كثيرة إلاَّ أنه أخرج لرسول الوالي كسرة خبز يابسة قائلاً:

(ما دامت هذه عندي فلا حاجة لي إلى الوالي سليمان أبلغه عني ذلك)

ولم يضعف أمام إلحاح ابنه عبد الرحمن الذي رآها فرصة سانحة للخروج من ضيق الأخصاص ( جمع خص- وهو الكوخ من سعف النخيل يستظل فيه من حرارة الشمس ) وشظف العيش وقسوته إلى دنيا القصور و الرفاهية والترف . بل إنَّ الخليل حمَّل ذلك الرسول أبياتا تعبِّر بصدق عن هذه الخلة العظيمة التي تميز بها واشتهر فانشده :

أَبلِغ سُلَيمانَ أَنّي عَنهُ في سَعَةٍ
وَفي غِنىً غَيرَ أَنّي لَستُ ذا مالِ

سَخّى بِنَفسي أَنّي لا أَرى أَحَداً
يَموتُ هَزلاً وَلا يَبقى عَلى حالِ

وَإِنَّ بَينَ الغِنى وَالفَقرِ مَنزِلَةً
مَخطومَةً بِجَديدٍ لَيسَ بِالبالي

الرِزقُ عَن قَدَرٍ لا الضَعفُ يَنقُصُهُ
وَلا يَزيدُكَ فيهِ حَولُ مُحتالِ

إِن كانَ ضَنُّ سُلَيمانَ بِنائِلِهِ
فَاللَهِ أَفضَلُ مَسؤولٍ لِسُؤالِ

وَالفَقرُ في النَفسِ لا في المالِ نَعرِفُهُ
وَمِثلُ ذاكَ الغِنى في النَفسِ لا المالِ

وَالمالَ يَغشى أُناساً لا خَلاقَ لَهُم
كَالسيلِ يَغشى أُصولَ الدَندَنِ البالي

كُلُّ اِمرِىءِ بِسَبيلِ المَوتِ مُرتَهِنٌ
فَاِعمَل لِنَفسِكَ إِنّي شاغِلٌ بالي

فقطع عنه سليمان راتبه الذي خصصه له فقال من المتقارب :

إِنَّ الَّذي شَقَّ فَمي ضامِنُ
الرِزقِ حَتّى يَتَوَفّاني

حَرَمتَني خَيراً كَثيراً فَما
زادَكَ في مالِكَ حِرماني

فلما بلغت سليمان هذه الأبيات فأقامته وأقعدته وكتب إلى الخليل الفراهيدي معتذراً وضاعف جائزته له واجره فقال الخليل:

وزلة يُكثر الشيطانُ إن ذكرت
منها التعجبَ جاءت من سليمانا

لا تعجبن لخير زل عن يده
فالكوكب النحس يسقي الأرض أحياناً


وقيل: كان الخليل ابن احمد صديقا لسليمان بن حبيب المهلبي امير الاحواز فكثر الزوار وفيهم الشعراء عليه فتشاغل سليمان عنهم فسألوا الخليل يذكره بأمرهم فكتب إليه :

لا تقبلن الشعر ثم تعقه
وتنام والشعراء غير نيام

واعلم بأنهم إذا لم ينصفوا
حكموا لأنفسهم على الحكام

وجناية الجاني عليهم تنقضي
وعتابهم يبقى على الأيام

ان اهم ما يميز الشعر عن النثر هو الموسيقى الشعرية والتي تعرف بالاوزان و عرفت بـ (بحور الشعر) . ولعل افضل علم قدمه الخليل الفراهيدي للعربية وشعرائها ونقادها (علم العروض) وتذكر كتب الادب عند اقدام الخليل على وضع علم العروض انه لما ازعجه خروج الشعراء عن المألوف من الاوزان طاف بالكعبة المشرفة ودعا الله تعالى ان يلهمه علما لم يسبقه اليه احد من السابقين .

وقيل ثم اعتزل الناس واغلق عليه بابه واخذ يقضى الساعات الطوال يجمع اشعار العرب ويرنها على انغامها ويجانس بينها حتى حصر كل الاوزان الشعرية المألوفة وضبطها وحد د قوافيها .

وقيل طرأت ببالهِ فكرة وضع اسس لهذا العلم فعندما كان يسير بسوق الصفارين فكان لصوت مطارقهم انغام مميزة. فكان لما يذهب إلى بيته يتدلى إلى بئر فيه ويبدأ بإصدار أصوات بنغمات مختلفة كي يستطيع تحديد النغم المناسب لكل بيت شعري او لكل قصيدة. وعكف على قراءة أشعار العرب في ظل دراسة الإيقاع والنغم والنُظُم الذي يعرفه ثم قام بترتيب هذه الابيات الشعرية حسب أنغامها وجمع كل مجموعة متشابهة ووضعها على حدة فتمكن من ضبط وتحديد نغمة هي أوزان خمسة عشر بحرًا ليقوم عليها النُظُم والنغم الشعري العربي حتى الآن في دوائر متجانسة ومتقاربة هي الدوائر الشعرية اليوم ومنها (الطويل-المديد- البسيط) وتعرف بالممتزجة و(الوافر- الكامل -الهزج- الرجز-الرمل -السريع- المنسرح- الخفيف- المضارع- المقتضب ) وتسمى السباعية لأنها مركبة من أجزاء سباعية في أصل وضعها وآخران هما ( المتقارب-المتدارك ) يعرفان بالخماسيين إلا أن واضع بحر المتدارك وواجده هو تلميذه الأخفش سعيد بن مسعدة وتلميذ سيبويه وبهذا أصبح الخليل الفراهيدي مؤسس علم العروض .


واود ان اوضح ان الخليل الفراهيدي استطاع أن يضبط الشعر العربي وكل ما قيل فيه ويثبت أوزان الشعر العربي في خَمْسَةَ عَشَرَ بحرا سماها بحور الشعر وقد زاد تلميذه الأخفشُ بعد ذلك بحرا واحدا اسماه ( المتدارك) وكان الخليل قد نفاه فهي اذن ستة عشر بحرا فقط .

الا ان التقدم والرقي وحاجة الزمن تطلبت ايجاد انواع من الانغام تتماشى مع الوقت ومتطلبات الغناء العربي فا وجدت انغاما جديدة فكان فكل ما خرج عن الأوزان الستةَ عشَر أو الخمسة عشر وهي هذه:
( الطَّوِيل و المَدِيد و البَسِيط و الوَافِر و الكامِل و الهَزَج والرَّجَز و الرَّمَل و السَّرِيع والمُنْسَرِح و الخَفِيف و المُضارِع و المُقْتَضَب و المُجْتَثّ و المُتقارِب و المُتدارَك.)
فهو عمل المُوَلَّدين وابتكاراتهم الذين رأوا أن حصر الأوزان في هذا العدد يُضَيِّق عليهم مجال القول وهم يريدون أن يجري كلامهم على الأنغام الموسيقية التي نقلتها إليهم الحضارة العربية والاجنبية وهذه لا حَدَّ لها وإنما جنحوا إلى تلك الأوزان لأن أذواقهم أَلِفَتْها واعتادت التأثر بها ولأنهم يرون أن كلاما يُوقَع على الأنغام الموسيقية يسهل تلحينه والغناء به وأمر الغناء بالشعر العربي مشهور ومعروف لذا رأينا أن المولدين قد أحدثوا أوزانا أخرى. وكذلك الدوائر العروضية
هي:

(المُخْتَلِفُ و المُؤْتَلِفُ و المُجْتلَب و المُشتبِه و المُتَّفِق.)

و البحور المستنبطة (المهملة) التي ابتكرها المولدون هي ستة بحور وهي:
( المُستطيل و المُمْتَدُّ و المُتَوَفِّر و المُتَّئِد و المُنْسَرِد و المُطَّرِد.)

والدائرة العروضية هي خَطٌّ محيطٌ او منحن تُرْسَمُ فوقه علامات متحركات وسواكن هي شطرُ البحر الأول من جملة أبحر يُفَكُّ بعضها من بعض وفي داخله تحت علامة بداية كل بحر اسم ذلك البحر.
وقيل في رواية اخرى لما أراد الخليل الفراهيدي أن يضع العروض خلى في بيت ووضع بين يديه طستاً أو ما أشبه ذلك وجعل يقرعه بعود ويقول:
- فاعلن مستفعلن فعولن
فسمعه أخوه فخرج إلى المسجدقائلا :
-إنّ أخي قد أصابه جنون .
وأدخل الناس عليه وهو يضرب الطّست.
فقالوا: يا أبا عبدالرحمن ما لك أأصابك شيء او مكروه ؟
أتحبّ أن نعالجك؟
فقال: وما ذاك!!؟
فقالوا: أخوك يزعم أنك خولطت
فقال:

لَو كُنتَ تَعلَمُ ما أَقولُ عَذَرتَني
أَو كُنتَ تَعلَمُ ما تَقولُ عَذَلتُكا

لِكِن جَهِلتَ مَقالَتي فَعَذَلتَني
وَعَلِمتُ أَنَّكَ جاهِلٌ فَعَذَرتُكا


وهو أول من جمع حروف المعجم في بيت واحد من البسيط :

صِف خَلقَ خَودِ كَمِثلِ الشَمسِ إِذ بَزَغَت
يَحظى الضَجيعُ بِها نَجلاءَ مِعطارِ

ويعد الخليل الفراهيدي شيخ علماء المدرسة البصرية وتنسب اليه كتب ( معاني الحروف) وجملة آلات الحرب والعوامل والعروض والتنقيط ومن الاعمال التي بها تغيير رسم الحركات على الحروف العربية حيث كانت تشكيلاتها على هيئة نقاط مختلفة الالوان تختلف عن لون الكتابة التي كتبت بها وكان تنقيط الإعجام وهو ما يقصد به ( التنقيط الخاص بالتمييز بين الحروف المتشابهة مثل ( الجيم والحاء والخاء) وبعد تعديل هذه الحالات شاعت في عصره بعد أضافتها إلى الكتابة العربية من قبل تلميذي أبي الأسود الدؤلي وهما ( نصر بن عاصم ويحيى بن يعمرالتابعي) فكان من الضروري تغيير رسم الحركات للتمييز بين تنقيط الحركات وتنقيط الإعجام. فجعل الخليل الفتحة ألفًا صغيرة مائلة فوق الحرف والكسرة ياءً صغيرة تحت الحرف والضمة واواً صغيرة فوقه وفي حالة التنوين كرر الحركة مرتين ووضع شينا معجمة للتعبير عن الشدة ووضع رأس حرف عين للتدليل على وجود الهمزة وغيرها من الحركات كالسكون وهمزة الوصل – وعليه يكون النظام الذي اتخذه الخليل بن احمد الفراهيدي قريباً جدا نظام الحركات المتبع لحد الان واساسه .

ومن اعماله في مجال اللغة العربية تاليف كتاب (معجم العين ) وهو أول معجم في اللغة العربية وكان من اعماله النادرة وقد ساعده فيه تلميذه الليث بن المظفر الكناني حيث اتمه تلميذه هذا بعد موته موته .
وكان الخليل الفراهيدي قد نظر في علم النجوم والطالع ولما لم يستسغه قال فيه :

أَبلِغا عَني المُنَجِّمَ أَنّي
كافِرٌ بِالَّذي قَضَتهُ الكَواكِب

عَالِمٌ أَنَّ ما يَكونُ وَما كا
نَ بِحَتمٍ مِنَ المُهَيمِنِ واجِب

شاهِدٌ أَنَّ مَن يُفَوِّضَ أَو يُج
بِرَ زارٍ عَلى المَقاديرِ كاذِب

وكان الخليل قانعا برزقه رغم فقره وسوء حالته لاحظ قوله :

إِذا ضاقَ بابُ الرِّزقِ عَنكَ بِبَلدَةٍ
فثَمَّ بِلادٌ رِزقُها غَير ُ ضَيِّقِ

وَإيَّاكَ وَالسُّكنى بِدَارِ مَذَلَّةٍ
فَتَشقَى بِكَأسِ الذِّلَّةِ المُتَدفِّقِ

فَمَا ضاقَتِ الدُنيا عَلَيكَ بِرَحبِهَا
وَلا بابُ رِزقِ اللَّه عَنكَ بِمُغلَقِ


ومن شعره في الوصف قال يصف قصر عيسى بن جعفر بالخريبة وهي محلة في البصرة اشتهرت بكثرة بساتينها :

زر وادي القصر نعم القصر والوادي
لابدَّ من زورة من غير ميعاد

زره فليس له شبه يعادله
من منزل حاضرٍ إن شئت أو باد

ترفى قراقيره والعيس واقفة
والنون والضب والملاح والحادي

وقيل كان الخليل له مجلس في مسجد البصرة فدخل أعرابي المسجد فطاف على الخلق فيه وهم يتدارسون حلقات حلقات وسمع ما يقولون حتى صار إلى حلقة الخليل فسمعهم يتذاكرون النحو والشعر حتى افضوا إلى دقيق النحو والعروض فقام عنهم:

ما زال أحدهم في النحو يعجبني
حتى تعاطوا كلام الزنج والروم

حتى سمعت كلاماً لست اعرفه
كأنه زجل الغربان والبوم

رفضت نحوهم والله يعصمني
من التقحم في تلك الحراثيم


و يقول في الحكمة :

وَأَفضَلُ قَسمِ اللَّهِ لِلمَرءِ عَقلُهُ
فلَيسَ مِنَ الخَيراتِ شَيءٌ يُقارِبُه

إِذا أَكمَلَ الرَّحمنُ لِلمَرءِ عَقلَهُ
فَقَد كَمُلَت أَخلاقُهُ وَضَرائِبُه

يَعيشُ الفَتَى بِالعَقلِ في الناسِ إنَّهُ
على العَقلِ يَجري عِلمُهُ وتَجارِبُه

وَمَن كانَ غَلاباً بِعَقلٍ وَنجدَةٍ
فَذو الجَدِّ في أَمرِ المَعيشَةِ غَالِبُه

يَزينُ الفَتَى في النَّاسِ صِحَّةُ عَقلِهِ
وَإِن كانَ مَحظُوراً عَلَيهِ مَكاسِبُه

ويُزرِي بِهِ في الناسِ قِلَّةُ عَقلِهِ
وإِن كَرُمَت أَعراقُهُ ومنا سبه

ويقول فيها ايضا :

يَدَاكَ يَدٌ خَيرُهَا يُرتَجَى
وَأُخرَى لِأَعدائِهَا غائِظَه

فَأمَّا الَّتي خَيرُها يُرتَجَى
فأجود جوداً من اللافِظَه

وَأَمَّا الَّتي يُتَّقَى شَرُّها
فَنَفسُ العَدُوِّ لَها فائِظَه

ويقول ايضا :

وَما بَلَغَ الإِنعامُ في النَفعِ غايَةً
مِنَ الفَضلِ إِلا مَبلَغُ الشُكرِ أَفضَلُ

وَما بَلَغَت أَيدي المُنيلينَ بَسطَةً
مِنَ الطَولِ إِلا بَسطَةُ الشُكرِ أَطوَل

وَما رَجَحَت بِالمَرءِ يَوماً صَنيعَةٌ
عَلى المَرءِ إِلّا وَهيَ بِالشُكرِ أَثقَل

توفي الخليل بن احمد الفراهيدي في البصر ة في جمادي الآخرة سنة \174 هـجرية / 789 ميلادية في خلافة هارون الرشيد وقيل ان سبب وفاته أنّه قال أريد أن أعمل نوعًا من الحساب تمضي به الجارية إلى الفامي فلا يمكنه أن يظلمها فدخل المسجد وهو يعمل فكره متفكرا في امره فصدمته سارية من سواري المسجد في البصرة وهو غافل فانصدع ومات من ذلك وقيل: بل صدمته الّسارية وهو يقطع بحرًا من العروض فمات .

ومن اهم اثاره الثقافية:

كتاب النّغم.
كتاب العروض.
كتاب الشواهد.
كتاب النقط والشكل.
كتاب الإيقاع
كتاب معاني الحروف
كتاب معجم العين وقد اتمه بعده تلميذه

وقبل ان اختم بحثي هذا اعرّج فاقول ان الخليل بن احمد الفراهيدي هذا العالم الجليل العظيم الذي لم ياتي قبله مثله ولا ياتي بعده بمثل علمه والذ ضرب في كل بحر من علم لم ياخذ حقه في الدراسة والبحث و لا زالت جوانب من حياته غامضة واعماله غير معروفة واتمنى على الادباء والعلماء العرب ان يتحرونها وياخذوا بافضلها ويبينوا للقارئ العربي ما توصل اليه هذا العالم في الثقافةوالادب والشعر واموسيقى والغناء والدين والصلاح .

واذكر بعض الابيات الشعرية المختلفة وعلى البحور المختلفة
فهو القائل عن نفسه من البسيط :

اِعمَل بِعِلمي وَإِن قَصَّرتُ في عَمَلي
يَنفَعكَ عِلمي وَلا يَضرُركَ تَقصيري

وَاُنظَر لِنَفسِكَ فيما أَنتَ فاعِلُهُ
مِنَ الأُمورِ وَشَمِّر فَوقَ تَشميري


وقيل مر يوما بقوم يتكلمون فيه فقال:

سَأُلزِمُ نَفسي الصَفحَ عَن كُلِّ مُذنِبٍ
وَإِن كَثُرَت مِنهُ عَلَيَّ الجَرائِمُ

وَما الناسُ إِلّا واحِدٌ مِن ثَلاثَةٍ
شَريفٌ وَمَشروفٌ وَمَثَلٌ مُقاوِمُ

فَأَمّا الَّذي فَوقي فَأَعرِفُ فَضلَهُ
وَأُتبِعُ فيهِ الحَقَّ وَالحَقُّ لازِمُ

وَأَمّا الَّذي مِثلي فَإِن زَلَّ أَو هَفا
تَفَضَّلتُ إِنَّ الفَضلَ بِالعِزِّ حاكِمُ

وَأَمّا الَّذي دوني فَإِن قالَ صُنتُ عَن
إِجابَتَهِ عَرضي وَإِن لامَ لائِمُ

ويقول ايضا :

لَيسَ المُسيءُ إِذا تَغَيَّبَ سوءُهُ
عَنّي بِمَنزِلَةِ المُسيءِ المُعلِنِ

مَن كانَ يُظهِرُ ما أُحِبُّ فَإِنَّهُ
عِندي بِمَنزِلَةِ الأَمينِ المُحسِنِ

وَاللَهُ أَعلَمُ بِالقُلوبِ وَإِنَّما
لَكَ ما بَدا لَكَ مِنهُمُ بِالأَلسُنِ

كتب الخليل الى سليمان بن الحبيب بن المهلب والي الاحواز بأبيات تمثل بها :

وَرَدَ العُفاةُ المُعطَشون فَأَصدَروا
رِيّاً فَطابَ لَهُم لَدَيكَ المَكرَعُ

وَوَرَدتُ حَوضَكَ ظامِئاً مُتَدَفِّقاً
فَرَدَدتَ دَلوي شَنُّها يَتَقَعقَعُ

وَأَراكَ تُمطِرُ جانِباً مِن جانِبٍ
وَفَناءُ أَرضي مِن سَمائِكَ بَلقَعُ

أَبِحُسنِ مَنزِلَتي تُؤخِرُ حاجَتي
أَم لَيسَ عِندَكَ لي لِخَيرٍ مَطمَعُ

ومن شعره ايضا :

تَرَفَّعَت عَن نَدى الأَعماقِ وَاِنخَفَضَت
عَنِ المَعاطِشِ وَاِستَغنَت بِسُقياها

فَاِعتَمَّ بِالطَلحِ وَالزَيتونِ أَسفَلَها
وَمادَ بِالنَخلِ وَالرُمّانِ أَعلاها

وَصارَ يَحسُدُهُ مَن كانَ يَعذِلُهُ
وَلائِمٌ لامَ فيها قَد تَمَنّاها

أَبا مُعاوِيَةَ اِشكُر فَضلَ واهِبِها
وَكُلَّما جِئتَها فَاِعمُر مُصلاها

ومن ماثور قوله :

(أشتهي أن أكون عند الله من أرفع الناس وعند الناس من أوسط الناس وعند نفسي من أسفل الناس.)
ومن شعره هذه الابيات ايضا :

وَما بَلَغَ الإِنعامُ في النَفعِ غايَةً
مِنَ الفَضلِ إِلا مَبلَغُ الشُكرِ أَفضَلُ

وَما بَلَغَت أَيدي المُنيلينَ بَسطَةً
مِنَ الطَولِ إِلا بَسطَةُ الشُكرِ أَطوَل

وَما رَجَحَت بِالمَرءِ يَوماً صَنيعَةٌ
عَلى المَرءِ إِلا وَهيَ بِالشُكرِ أَثقَل

واخيرا اختم في هذه الابيات :

وَهَذا المالُ يُرزَقُهُ رِجالٌ
مَناديلٌ إِذا اِختُبِروا فَسولُ
وَرِزقُ الخَلقِ مَجلوبٌ إِلَيهم
مَقاديرٌ يُقَدِّرُها الجَليلُ
كَما تُسقى سَباخُ الأَرضِ رِيّاً
وَلا بِالمالِ تُقتَسَمُ العُقولُ
كَأَنَّكَ كُنتَ قَد خامَرتَ قَلبي
فَجِئتَ بِما شَفَيتَ بَهَ الغَليل
رَأَيتُ بَراعَةَ الإيجازِ أَشفى
فَصارَ كَثيرُ غَيرِكَ لي قَليل




**********************************************

معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://falih.ahlamontada.net

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة  رسالة [صفحة 1 من اصل 1]

صلاحيات هذا المنتدى:
لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى